ثَانِيًَا: أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ لا قُدْرَةَ له، ولا يَجِدُ لَدَيْهِ مُؤنَةَ النِّكَاحِ أَنْ يَتْرُكَ التَّزَوُّجَ ويُكْثِرَ الصَّوْمَ لإِضْعَافِ شَهْوَتِهِ. أَمَّا إذا كَانَ قَادِرًَا عليه ولَكِنَّهُ لا يَرْغَبُ فيه، فَقَدْ قال الدردير المالكي:"وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إنْ أَدَّاهُ إلَى قَطْعِ مَنْدُوبٍ كُرِهَ، وَإِلَّا أُبِيحَ إلَّا أَنْ يَرْجُوَ نَسْلًا أَوْ يَنْوِيَ خَيْرًا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَى فَقِيرَةٍ أَوْ صَوْنٍ لَهَا فَيَنْدُبَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مُحَرَّمٍ، وَإِلَّا حَرُمَ وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ"اهـ (4) .
وقال ابن قدامة:"وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالْعَاجِزِ عَنْهُ، قَالَ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ، أَنْفَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، صَبَرَ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ. وَاحْتَجَّ «بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ» . «وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمِ حَدِيدٍ، وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ"اهـ (5) .
من ناحية أخرى قال فِي"الموسوعة الفقهية":"اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ، فَإِنَّ تَزَوَّجَ ذَاتَ مَحْرَمِهِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: لاَ حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ مِنْهُ لِلْعَقْدِ". وقال في"التحقيق في مسائل الخلاف":"مَسْأَلَةٌ إِذَا تَزَوَّجَ ذَاتَ مَحْرِمٍ وَوَطِئَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ"؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّعْزِيرُ"اهـ (6) ."
وقال فِي"الحاوي الكبير":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ"؛ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مُوَاقَعَتِهَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ النكاح يستوي فيه ذات المحارم وَغَيْرُهَا"اهـ (7) ."
وقال فِي"الْمُغْنِي":"وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ. وَوَجْهُ الْأُولَى، مَا رَوَى «الْبَرَاءُ. قَالَ: لَقِيت عَمِّي وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْت: إلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْجُوزَجَانِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَمَّى الْجُوزَجَانِيُّ عَمَّهُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو. وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوهُ» وَرُفِعَ إلَى الْحَجَّاجِ رَجُلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَهُ عَلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: احْبِسُوهُ، وَسَلُوا مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَسَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُطَرِّفٍ، فَقَالَ:"