1049 - الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ بألفاظ مختلفة.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَجِّهُ نِدَاءَهُ إلى الشَّبَابِ فَيَقُولُ لَهُم:"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ"أي من وُجِدَتْ لَدَيْهِ القُدْرَة الجِنْسِيَّةِ على الجِمَاعِ والرَّغْبَةِ فيه مع قُدْرَتِهِ على مؤونته ونفقته فَلْيَتَزَوَّجْ. لِيَغُضَّ بَصَرَهُ، ويَحْفَظَ فَرْجَهُ عن مَحَارِمِ اللهِ، كما جَاءَ فِي رِوَايةٍ أُخْرَى حيث قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ"؛"وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ"أيْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الزَّوَاجَ لِعَجْزٍ مَالِيٍّ عن المَؤُونَةِ والنَّفَقَةِ، ولَدَيْهِ رَغْبَة فِي الجِمَاعِ"وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ"أي فَلْيَلْجَأ إلى الصَّوْمِ لِكَسْرِ شَهْوَتِهِ وإِضْعَافِ رَغْبَتِهِ الجِنْسِيَّةِ"فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"أيْ فَإِنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ كما يَقْطَعُهَا الوِجَاءُ (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ يُسَنُّ النِّكَاحُ لِكُلِّ من قَدِرَ على نَفَقَاتِهِ وتَاقَتْ نَفْسُهٌ إليه، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وقالت الظاهرية بوجوبه، لظاهر الأمر به فِي الكِتَابِ والسُنَّةِ، وأَمَّا من رَغِبَ عن الزَّوَاجِ دُونَ عُذْرٍ، وظَنَّ أَنَّ البُعْدَ عنه فَضِيلَةٌ، وفَضَّلَ الرَّهْبَانِيَّةَ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّهِ:"وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"أي فَلَيْسَ من طَرِيقَتِي الرَّهْبَانِيَّة.
قال ابن قدامة فِي"الْمُغْنِي":"وَالنَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:"
مِنْهُمْ: مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ النِّكَاحَ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ.
الثَّانِي: مَنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ يَأْمَنُ مَعَهَا الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ، فَهَذَا الِاشْتِغَالُ لَهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَفِعْلِهِمْ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، وَلِي طَوْلُ النِّكَاحِ فِيهِنَّ، لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ" (2) ."
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شَهْوَةٌ كَالْعِنِّينِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَذَهَبَتْ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، التَّخَلِّي لَهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ مَصَالِحَ النِّكَاحِ، وَيَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَيُضِرُّ بِهَا، وَيَحْبِسُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالْأَخْبَارُ تُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا"اهـ (3) ."