يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَيُحَدُّ)". قال:"وَفِي النَّصِّ إشَارَةٌ إلَيْهِ أَيْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الزِّنَا وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهُودِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ لِيَظْهَرَ بِهِ صِدْقُهُ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ؛ وَلَا شَيْءَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ إلَّا الزِّنَا. ثُمَّ ثَبَتَ وُجُوبُ جَلْدِ الْقَاذِفِ لِلْمُحْصَنِ بِدَلَالَةِ هَذَا النَّصِّ لِلْقَطْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَهُوَ صِفَةُ الْأُنُوثَةِ وَاسْتِقْلَالُ دَفْعِ عَارِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ بِالتَّأْثِيرِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى ثُبُوتِ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ"اهـ (2) . وإذا امتنعت المرأة عن الملاعنة أقيم عليها حد الزِّنا؛ وهو قول مالكٍ والشَّافِعِيِّ (3) . قال فِي"بدائع الصنائع":"وَلَوْ امْتَنَعَ يُحْبَسُ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَعِنْدَهُ لَيْسَ لَهَا وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِاللِّعَانِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُحْبَسُ إذَا امْتَنَعَ بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَكَذَا إذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى اللِّعَانِ وَلَوْ امْتَنَعَتْ تُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُقِرَّ بِالزِّنَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تُجْبَرُ وَلَا تُحْبَسُ بَلْ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْجَلْدَ عَلَى الْقَاذِفِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْقَاذِفَ إذَا كَانَ زَوْجًا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يَدْفَعُهُ بِاللِّعَانِ فَكَانَ اللِّعَانُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنْ الْحَدِّ"اهـ (4) . وقال فِي"الموسوعة الفقهية":"وَالْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ اللِّعَانِ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِيمَا يُصْنَعُ بِهَا إِذَا امْتَنَعَتْ، فَفِي رِوَايَةٍ - وَهِيَ الأَصَحُّ كَمَا قَال الْقَاضِي: تُحْبَسُ حَتَّى تُلاَعِنَ أَوْ تُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِالزِّنَا، فَإِنْ لاَعَنَتْ سَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ أَقَرَّتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حُدَّتْ حَدَّ الزِّنا. وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: يُخَلَّى سَبِيلُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَيْهَا فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُل الْبَيِّنَةُ"اهـ (5) ."
أمَّا الأَحْكَامُ التي تَتَرَتَّبُ عليها بعد المُلاعَنَةِ فَهِيَ كما يلي:
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةً مُؤَبَّدةً، ويُفْسَخُ نِكَاحَهُما فَسْخًَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ كالرَّضَاعِ عند مَالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبِي يُوسُفَ، فلا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًَا، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ:"فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِى الْمُتَلاَعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والبَيْهَقِيّ والدَّارَقُطنِيّ (6) ، فَلا يَجْتَمِعَان ولَوْ أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ (7) . وقال أَبُو حَنِيفَةَ:"الفُرْقَةُ النَّاشِئَةُ عن اللِّعَانِ طَلاقٌ بَائِنٌ لا يَتَأبَّدُ بِهَا التَّحْرِيمُ، وإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جَازَ لَهُ تَزَوُّجِهَا."لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ «عُوَيْمِرِ بْنِ الْحَارِثِ الْعَجْلَانِيُّ أَنَّهُ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ لِعَانِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتَهَا؛ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمَا وَلَوْ كَانَتْ