فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 2668

عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ وَرَضِيَتْ وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ مَنْدُوبٌ أَيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ". وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ فَوَائِدُ النِّكَاحِ وَانْتَفَتْ عَنْهُ آفَاتُهُ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ التَّزْوِيجُ وَمَنْ لَا فَالتَّرْكُ لَهُ أَفْضَلُ وَمَنْ تَعَارَضَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ فَلْيَجْتَهِدْ وَيَعْمَلْ بِالرَّاجِحِ. وَأَمَّا حَدِيثُ:"لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ"فَلَمْ أَرَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ:"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ (4) "اهـ (5) .

وَعَن بْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ:"لَا صَرُوْرَةَ فِي الْإِسْلَامِ"اهـ (6) ؛ وقال النووي:"أمَّا الْأَفْضَلُ مِنَ النِّكَاحِ وَتَرْكِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا النَّاسُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ تَتُوقُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَيَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَقِسْمٌ لَا تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَقِسْمٌ تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَهَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ التَّوَقَانِ وَقِسْمٌ يَجِدُ الْمُؤَنَ وَلَا تَتُوقُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَرْكَ النِّكَاحِ لِهَذَا وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلَا يُقَالُ النِّكَاحُ مَكْرُوهٌ بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (7) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كان مَوْجُودًَا، وأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَخَّصَ لأَصْحَابِهِ فيه عِنْدَمَا خَرَجُوا إلى الغَزْوِ وتَرَكُوا نِسَاءَهُم فِي المدينة فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُعَانُونَهُ، واسْتَأذَنُوهُ فِي الاخْتِصَاءِ فَنَهَاهُم عنه، ورَخَّصَ لَهُم فِي نِكَاحِ المُتْعَةِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثَانِيًَا: أنَّهُ يَحْرُم الغُلُوِ فِي الدِّينِ، والتَّضْيِيقِ على النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ وحِرْمَانِهَا من طيبات الحياة التي أحَلَّهَا اللهُ، وقَدْ كان ذلك من العِبَادَاتِ المأثورة عند قُدَمَاءِ اليَهُودِ واليُونَان، قَلَّدَهُم فيها النَّصَارَى فَشَدَّدُوا على أَنْفُسِهِم، وَحَرَّمُوا عليها مَا لَمْ تُحَرِّمُهُ الكُتُبُ المُقَدَّسَةِ. ولَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ أبَاحَ للبَشَرِ الزِّيْنَةَ والطَّيِّبَاتِ، وأَرْشَدَهُم إلى إعْطَاءِ البَدَنِ حَقَّهُ، والرُّوْحِ حَقَّهَا، ولذلك كانت الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةِ وَسَطًا بين جَمِيعِ الأُمَمِ."وروى ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في تفسير الآية الكريمة قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا الَّتِي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الْآيَة"فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَيْمَانٍ حَلَفُوا بِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِمْ"اهـ (8) ، وفِي هذا حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ يَقُولُ مَنْ حَلَفَ على تَرْكِ جِنْسٍ من المُبَاحَاتِ يَجِبُ عليه أَنْ يَحْنُثَ فِي يَمِينِهِ، ولا كَفَّارَةَ عليه، لأَنَّها يَمِينُ لَغْوٍ لا كَفَّارَةَ فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت