معنى الحديث: يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِك"أي كُنَّا نَخْرُجُ إلى الغَزْوِ مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُفَارِقُ نِسَاءَنَا فَنُعَانِي كَثِيرًَا، فَسَأَلْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واسْتَأْذَنَّاهُ فِي الاخْتِصَاءِ (1) "فَنَهَانَا عَنْ ذَلِك"لأنَّ فِيْهِ من القَّضَاءِ على شَهْوَةِ الجِنْسِ، وتَعْطِيلِ النَّسْلِ الذي يَتَوَقَّفُ عليه بَقَاءُ النَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ،"فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ"أي وأَبَاحَ لنا نِكَاحَ المُتْعَةِ، وَقَدْ كان ذَلِكَ مَشْرُوعًَا، ثُمَّ نُسِخَ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"ثُمَّ قَرَأَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) ". قال الرَّازي:"فَهَذِهِ أُمُورٌ سَبْعَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا سَبَبٌ تَامٌّ فِي حُصُولِ الذَّمِّ مِنْهَا: تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْحَمَاقَةِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ تِلْكَ الْمَنَافِعَ وَالطَّيِّبَاتِ وَيَسْتَوْجِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَنْعِ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ"اهـ (2) .
ومعنى هذه الآية الكريمة:"أَنَّ اللهَ نَهى الْمُؤْمِنِينَ عن تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُم من طَيِّبَاتِ هذه الحَيَاةِ سَوَاءٌ كانت من المَأْكُولاتِ، أو المَلْبُوسَاتِ أو المَشْرُوبَاتِ المُبَاحَةِ، أو المَنْكُوحَاتِ المَشْرُوعَةِ، ونَهَاهُم أنْ يتخذوا من الأسباب ما يَحُولُ بَيْنَهُم وبَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي النِّسَاءِ، مِنْ الاخْتِصَاءِ وغَيْرِهِ، وحَرَّمَ عليهم ذلك لِمَا فيه من القَضَاءِ على التَّنَاسُلِ الذي يتوقف عليه بَقَاءُ النَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ فِي هذه الأرض؛ وهو جَرِيمَةٌ تَتَعَارَضْ مع شَرِيعَةِ اللهِ فِي المُحَافَظَةِ على النَّسْلِ. فَإِنَّ اللهَ قد خَلَقَ هذه الغَرَائِزِ فِي الإنْسَانِ، وأَرَادَ لَهَا أَنْ تَبْقَى لِتُؤدِّي دَوْرَها فِي هذه الحياة بِمَا يُحَقِّقُ للإنْسَانِ سعادته فِي الدُّنْيَا والآخرة. فَالغَرَائِزُ هي مُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ، وإذا اسْتُعْمِلَتْ على الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الذي يتفق مع مَنْهَجِ الشَّرِيعَةِ كانت مُحَبِّبًَا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، والأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَلَوْلا تَغْذِيَةِ الجَسَدِ بالمَأْكُولاتِ والمَشْرُوبَاتِ لفَقَدْ الجِسْمُ قُدْرَتَهُ على عِبَادَةِ اللهِ. ولَوْلا النِّكَاحُ لَمَا كان هُنَاكَ تَنَاسُلٌ ولا نَوْعٌ من البَشَرِ يَعْبُدُ اللهَ، ويُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3) ."ولهذا قَالَ بَعْضُهُم: الاعْتِدَاءُ المَنْهِيُّ عنه فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَعْتَدُوا) هو مُحَاوَلَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الاخْتِصَاء كما جَاءَ فِي الحديث. والحاصل أَنَّ الاعْتِدَاءَ يَشْمَلُ أَمْرَيْنِ: الاعْتِدَاءُ فِي الشَّيْءِ نفسه بِالإِسْرَافِ فيه؛ والاعْتِدَاءُ بِتَجَاوُزِهِ إلى غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ من جِنْسِهِ وهو الخَبَائِثُ.
فائدة: قال الحَافِظُ فِي"الفتح":"قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ - أي النِّكَاح - مَنْدُوبٌ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ يُرْجَى مِنْهُ النَّسْلُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْوَطْءِ شَهْوَةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكَمْ"؛ وَلِظَوَاهِرِ الْحَضِّ عَلَى النِّكَاحِ وَالْأَمْرِ بِهِ. وَكَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي نَوْعٍ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ غَيْرِ الْوَطْءِ. فَأَمَّا مَنْ لَا يُنْسِلُ وَلَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ وَلَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ فَهَذَا مُبَاحٌ فِي حَقِّهِ إِذَا"