ثَالِثًَا: أنَّ تَهْذيبَ النَّفْسِ لا يكون بالغُلُوِ والحِرْمَانِ من الطَّيِّبَاتِ وإِنَّمَا بإيْقَافِهَا عند حَدِّ الاعْتِدَالِ دُونَ إِفْرَاطٍ ولا تَفْرِيطٍ لأنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ هذا الإِنْسَان مَلَكًَا مُجَرَّدًَا عن النَّوَازِعِ البَشَرِيَّةِ وإِنَّمَا خَلَقَهُ مُرِكَّبًَا من رُوحٍ وجَسَدٍ، ولا سَلامَةَ للعقلِ والرُّوحِ وسَائِرِ القُوَى إلاّ بِسَلامَةِ البَدَنِ، وصِحَّةِ الجِسْمِ، كَمَا أنَّه لا عِبَادَةَ ولا طَاعَةَ إلا فِي جِسْمٍ سَلِيمٍ وعَقْلٍ سَلِيمٍ، ولذلك حَرُم على الإِنْسَانِ كُلّ مَا يَضُرُّ بِجِسْمِهِ، لأَنَّ من ضَعُفَ جِسْمُهُ عَجَزَ عن الطَّاعَاتِ وسَائِرِ العِبَادَاتِ، ورُبَّمَا قَصَّرَ فِي أَدَاءِ واجِبَاتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ؛ فلا بُدَّ من إعْطَاءِ الجِسْمِ حَقِّهِ من الحَيَاةِ والتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ المُبَاحَةِ ليقوم بِوَاجِبَاتِهِ الدِّينِيَّةِ والاجْتِمَاعِيَّةِ التي هو مكلف بِهَا لئلا يَضْعُفَ عن أَدَائِهَا.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَقُلْنا: أَلاَ نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ".
(1) قال فِي"شرح النووي على مسلم":"الِاخْتِصَاءَ فِي الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ. وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ.
(2) تفسير الرازي"مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير": سورة الأنعام ج 13 ص 161.
(3) قال الهيثمي فِي"مجمع الزوائد": 4: 258:"رواه أحمد والطَّبَرَانِيّ في الأوسط، وإسناده حسن".
(4) قال فِي"مجمع الزوائد":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ".
(5) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ"ج 9 ص 111.
(6) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. قال فِي"جامع الأصول":"رقم (1729) في المناسك، باب لا صرورة في الإسلام، من حديث عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه أحمد فِي المسند رقم (2845) والحاكم فِي المستدرك 1/ 448. وقد اختلف العلماء فِي عمر بن عطاء فِي هذا الحديث، لأنَّه لَمْ يقع منسوبًا. قال الحافظ فِي"التَّلخيص": قال ابن طاهر: هو عمر بن عطاء بن وراز، وهو ضعيف. لكن فِي رواية الطبراني: عمر بن عطاء بن أبي الخوار، وهو موثق. وقد أعل بعضهم هذا الحديث وضعفه بأن عمر بن عطاء فيه هو عمر بن عطاء بن وراز، وهو ضعيف. والصَرُوْرَةُ: الرَّجُلُ الذي لم يحج قَطّ، وكذلك المرأة."
(7) "شرح النووي على مسلم": (باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة) ج 9 ص 174.
(8) "تفسير الطبري": القول فِي تأويل قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ج 10 ص 523.