أوَّلًا: أَنَّ أحْكَامَ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ من حلال وحرام، وواجب ومندوب ومكروه، كلها واضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لا عذر لأَحَدٍ فِي الجَهْلِ بِهَا، لأنَّهَا مَيْسُورَةُ العلمِ سَهْلَةُ المنالِ ومن جَهِلَ منها شَيْئًَا فعليه أنْ يسأل أهْلَ العلم فذلك واجب.
ثانيًا: التَّرْغِيبُ فِي الوَرَعِ واتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ لكي يَسْلَم للمؤمن دينه وعرضه.
وقد قَسَّمَ ابنُ المنذرِ الشُّبُهَاتِ إلى ثلاثة أَقْسَامٍ:
الأوَّل: شَيْءٌ يعلمه المَرْءُ حَرَامًا، ثُمَّ يَشُكُّ فيه: هل هو بَاقٍ على حُرْمَتِهِ أم لا؟ كالذى يَحْرُمُ على المرء أكله قبل الذَّكَاةِ
إذا شَكَّ فِي ذَكَاتِهِ لَمْ يَزَلْ التَّحْرِيمُ إلا بِيَقِينِ الذَّكَاةِ والأصْلُ فِي ذلك حديث عدي المتقدم ذكره.
الثَّانِي: أَنْ يكون الشَّيْءُ حَلالًا فَيَشُكُّ فِي تَحْرِيمِهِ كالزَّوْجَةِ، يَشُكُّ فِي طلاقها؛ أو أَمَةٍ فَيَشُكُّ فِي عتقها. فما كان من هذا القِسْم فهو على الإباحة حتَّى يعلم تَحْرِيمَهُ؛ والأصْلُ فِي هذا حديث عبد الله بن زيد فيمن شَكَّ فِي الحَدَثِ بعد أنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَة.
الثالث: شَيْءٌ يَشُكُّ فِي حُرْمَتِهِ وحِلِّهِ على السَّوَاءِ فالأَوْلَى التَّنَزُّهِ عنه، كما فعل رَسُولُ اللهِ فِي التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ، حيث تركها خَشْيَةَ أنْ تكون من تُمُور الصَّدَقَةِ"اهـ (4) ."
واتقاء هذا النَّوع الأخير مُسْتَحَبٌ على أرجح الأقوال، وفعله مكروه، وقد قال سفيان: لا يُصِيبُ عبدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتَّى يَدَعَ الإِثْمَ وما تَشَابَهَ منه.
ثالثًا: أنَّ مَنْ أتى شَيْئًَا يَظُنَّهُ النَّاسُ شُبْهَةً ويَخْشَى طَعْنَ النَّاسِ عليه بسببه، وهو يعلم أنَّه حلالٌ، فإنَّه يَحْسُنُ له تَرْكَه، لسلامةِ عِرْضِهِ. وأنَّ من وقع فِي أمرٍ يدعو النَّاسَ إلى الوقيعة فيه، عليه أَنْ يَتَّخِذَ ما يَصُونه عن سُوءِ الظَّنِّ به، كمن أَحْدَثَ فِي صَلاتِهِ مَثَلًا، فأَنَّهُ يُسْتَحَبّ له أنْ يأخذ بَأنْفِهِ مُوْهِمًا أنَّه رَعِفَ.
رابعًا: أنَّهُ يَجِبُ على الإنسان أنْ لا يُعَرِّضْ نفسه لمواقف التُّهَمِ، مُحَافَظَةً على سلامة عرضه، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ"ولهذا قال بعض السَّلَفِ: من عَرَّض نفسه للتُّهَمِ فلا يلومن مَنْ أساءَ الظَّنّ به، وقد قال الشَّاعِرُ: ... وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ
خامسًا: ينبغي للمسلم إذا خشي اشتباه الناس فيه وتوقع سوء الظَنِّ منهم أنْ يشرح لهم حقيقة أمره محافظة على سلامة عرضه، ففي الحديث أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج مع صفية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا من المسجد ووقف يتحدث معها:"فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا، أَوْ قَالَ شَيْئًا"متفق عليه؛ فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف موقف التُّهَمِ، والله أعلم.
مطابقة الحديث للتَّرْجَمَةِ: فِي كَوْنِهَا جُزْءًَا منه.