فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 2668

من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلَ فِيهِ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ؛ وهذا القياس يُسَمَّى عند علماء الأصول بـ"القياس الأَوْلَوِيّ".

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"أي وبين الحلال والحرام قِسْمٌ ثَالِثٌ وهو المشتبهات - أي الأمور التي تكون غَيْرُ وَاضِحَةِ الحُكْمِ من حيث الحِلِّ والحُرْمَةِ، فلا يعلم الكثيرون: هل هي حَلالٌ أو حَرَامٌ؟ ويدخل فِي ذلك جَمِيعِ الأمور المشكوك فيها، مثل المال المشبوه أو المخلوط بالرِّبا، أو غيره من الأموال المُحَرَّمَة (2) . أمَّا إنْ تأكد أنَّ هذا من عين المال الرِّبَوِي فإنَّهُ حَرَامٌ صرف دونَ شَكٍّ. وكذلك لو تَأكَّدَ أنَّهُ من عين المال الحرام كالمغصوب مثلًا أو القمار فإنَّهُ حَرَامٌ أيْضًَا، ولا يُعَدُّ من المشتبهات.

"فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ"أيْ من اجْتَنَبَهَا فَقَدْ طلب البَرَاءَةَ لِنَفْسِهِ دِينًَا وعِرْضًَا، فَيَسْلَمُ له دِينُهُ من النَّقْصِ، وعِرْضُهُ من القَدْحِ والذَّمِ والسُّمْعَةِ السَّيِّئَةِ"وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ"أي ومن اجترأ على الشُّبُهَاتِ فقد عرض نفسه للخطر، وأَوْشَكَ على الوقوع فِي الحرام، مثله فِي ذلك مثل راعٍ يَرْعَى حول الأرض التي حَمَاهَا المَلِكُ لنفسه، وجعلها خاصة له، فإنَّ هذا الرَّاعِي قد تَدْخُل ماشيته فِي الحِمَى، فيستحق عقوبة السُّلْطَانِ، كذلك من يَتَهَاوَن بِالشُّبُهَاتِ، فَإِنَّهُ على خَطَرٍ لأنّهَا رُبَّمَا كانت حَرَامًَا فيقع فيه. وهناك معنى آخر، وهو أنَّه رُبَّمَا تَسَاهَل فِي الشُّبُهَاتِ فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمدًا. فإنَّ الشُّبْهَةَ تَجُرُّ إلى الصَّغِيرَةِ، وَالصَّغِيرَةُ تَجُرُّ إلى الكَبِيرَةِ نسأل الله السَّلامَةَ.

"أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ"أي وإنَّ حِمَى اللهِ هي المعاصي التي حرمها على عباده، فمن دخل حماه بارتكاب شَيْءٍ من المعاصي هلك، ومن قاربه بفعل الشُّبُهات كان على خَطَرٍ، وقد قال الشَّاعِرُ:

إِنَّ السَّلامَةَ مِن لَيْلى وَجَارَتِهَا ... أَنْ لَا تَمُرَّ بِنَا مِنْ حَوْلِ نَادِيْهَا

"أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً"أي قِطْعَةُ لَحْمٍ صَغِيرَةٍ بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ."إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"فكما أنَّ القلب من النَّاحِيَةِ الجسمية هو العضو الرَّئيس فِي الجسد، ومصدر الحياة فيه لارتباط حركة الدَّمِ به، فكذلك هو فِي نظر الإِسْلامِ مصدر صَلاحِ الإنْسَان وفَسَاده من النَّاحية الرُّوحية والدِّينية، وهو الموجه لسلوك الإِنسان وَأعماله من الأقوال والأفعال. فمتى كان القلبُ سَليمًَا من العقائد الخبيثة كالكفر والنِّفَاقِ والإِلْحَادِ. ومن الأمراض النَّفْسِيَّةِ كالكِبْرِ والاسْتِعْلاءِ والحقد والحسد والكراهية وغيرها. عامرًا بالإِيمان والخوف من الله والحب فِي الله؛ صَلُحَتْ أعمال الجوارح واسْتَقَام سلوك الإِنسان دِينِيًَّا واجْتِمَاعيًا، والعكس بالعكس. وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ"أَيْ صلحت أَعْمَال الجسد وسلوكه الظاهري. ولهذا جاء فِي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ"أخرجه أحْمَدُ (3) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت