قال فِي"المواهب اللدنية":"فقد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب عائشة حبًا شديدًا؛ وإِنَّمَا اخُتَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُمَرَّضْ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، لأَنَّ المَرِيضَ يَكُونُ أثْنَاءَ مَرَضِهِ أَحْوَجَ ما يكون إلى من يَرْتَاحُ إليه نَفْسِيًَّا، وهي أحب الناس إليه".
ثَانِيًَا: أَنَّ للمَوْتِ سَكَرَاتٌ، وأنَّ سَكَراتِ المَوْتِ (5) أَشَدَّ مَا تكون على نُفُوسِ أحْبَابِ اللهِ من أنْبِيَائِهِ وأوْلِيَائِهِ وأصْفِيَائِهِ كما وقع لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"فَلاَ أَكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا، بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ، قال الْقُرْطُبِيّ:"لتشديد الموت على الأَنْبِيَاء فائدتان:"
إحداهما: تكميل فضائلهم، ورفع درجاتهم، وليس ذلك نَقْصًَا ولا عَذَابًَا، بل هو كَمَا جَاءَ أنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ". وقال النووي:"قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدَّ بَلَاءً ثُمَّ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْرِ وَصِحَّةِ الِاحْتِسَابِ وَمَعْرِفَةِ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَتِمَّ لَهُمُ الْخَيْرُ وَيُضَاعَفُ لَهُمُ الْأَجْرُ وَيَظْهَرُ صَبْرُهُمْ وَرِضَاهُمْ"اهـ (6) ."
والثَّانِيَةِ: أَنْ يَعِرَفَ الخَلْقُ مِقْدَارَ أَلَمِ المَوْتِ، لأنَّهُ بَاطِنٌ، فَلَمَّا ذَكَرَ الأَنْبِيَاءُ الصَّادِقُونَ فِي (خبرهم) شِدَّةَ أَلَمِهِ عَلَيْهِمْ مع كَرَامَتِهِم على اللهِ تَعَالَى قَطَعَ الخَلْقُ بِشِدَّةِ المَوْتِ التي يُقَاسِيهَا المَيِّتُ"اهـ (7) ."
ثالثًا: أنَّهُ يَجُوزُ للإِنْسَانِ أنْ يَشْكُو لزوجته أو لصديقه أو طبيبه ما يعانيه من شِدَّةٍ أو أَلَمٍ أو مَرَضٍ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَات"فاشتكى من سَكَرَاتِ المَوْتِ. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَجزم أَبُو الطّيب وبن الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ؛ ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى"اهـ (8) . والحَاصِلُ أَنَّ إِخْبَارَ المَرِيضِ عن مَرَضِهِ لا بَأْسَ بِهِ، وهو لا يُنَافِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، فَكَمْ من شَاكٍ وهو رَاضٍ، وكم من سَاكِتٍ وهو سَاخِطٍ، والمُعَوَّلُ فِي ذلك على عَمَلِ القَلْبِ اتِّفَاقًَا، لا على نُطْقِ اللِّسَانِ"اهـ."
رَابِعًَا: أَنَّ آخِرَ كَلِمَةٍ قَالَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو على فِرَاشِ المَوْتِ: اللهُمّ فِي الرّفِيقَ الْأَعْلَى، قال السُّهَيْلي: (رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيّ أنَّ أَوّلُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ أَنْ قَالَ:"اللهُ أَكْبَرُ"، وَذَكَرَ أَنّ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ:"اللهُمّ الرّفِيقَ الْأَعْلَى") (9) ، وفِي رِوَايَةٍ:"فَقَالَ مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ إِلَى قَوْلِهِ: رَفِيقًا» وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ رَفِيقًا تَعَاوُنُهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَارْتِفَاقُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَأَفْرَدَهُ"