وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي"أي فِي حُجْرَتِي"وَفِي يَوْمِي"أي وفِي يَوْمِ نَوْبَتِي كما جاء توضيح ذلك فِي رِوَايَةٍ أخرى عَنْ عَائِشَةَ:"أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ"فَأَذِنَ له أَزْوَاجُهُ أنْ يكون حَيْثُ شَاءَ، فكان فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا."وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي"بإسكان الحاء فِي الكلمتين، والسَّحْرُ بسكون الحاء هو أعلى البطن، والنَّحْرُ موضع العِقْدِ من الصَّدرِ، والمعنى: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاضَتْ رُوحُهُ وهِيَ مُحْتَضِنَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على صَدْرِهَا، ورَأْسُهُ الشَّرِيفُ عند ذَقْنِهَا، كما جاء في رواية أخرى للبخاري:"وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي"أي ما بين بَطْنِي وَذَقْنِي."وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ"أى مزج بين الرِّيقَيْنِ مَعًَا، فجعل رِيقَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَصِلُ إلى فَمِهِ، ورَيقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِلُ إلى فَمِهَا قبيل وَفَاتِهِ بِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ."
وسبب ذلك قِصَّة السِّوَاكِ التي ذَكَرَتْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهَا:"دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي مُسْنِدَةٌ لَهُ بِصَدْرِي"فَرَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ"يعني إلى السِّوَاك"وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ"أي عرفت من نظراته أنَّهُ يَرْغَبُ أنْ يَسْتَاكَ فِي تلك اللحظة"فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: «أَنْ نَعَمْ» "أي فأشار برأسه إشارة معناها نعم."فَتَنَاوَلْتُهُ"أي فأخذت السِّوَاكَ لكي أعطيه إياه"فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ"أي السِّوَاك"وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟"أي هل تُرِيدُ أنْ أليِّنْ لَكَ السِّوَاكَ فَأَمْضُغَهُ بأَسْنَانِي"فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: «أَنْ نَعَمْ» فَلَيَّنْتُهُ"أي فَمَضَغْتُهُ بِأسْنَانِي حتَّى صَارَ لَيِّنًَا."وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ (2) فِيهَا مَاءٌ"- أي قِرْبَةً من جِلْدٍ مَمْلُوءَةً ماءً -"فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ"أي فيمسح وجهه بالماء لِيُخَفِّفَ من شِدَّةِ الأَلَمِ الذى يعانيه"يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» "أي شَدَائِدَ وأَهْوَال وآلام عظيمة؛"ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ"مدها على الأرض"فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» ""وَالرَّفِيقُ الأَعْلَى: الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، وقيل هو الجَنَّة". وفِي النِّهاية:"جَمَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذين يَسْكُنُونَ أَعْلَى عِلِيْين"اهـ؛ كما أفاده الزُّبيدي (3) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقَامَ أثْنَاءَ مَرَضِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وقَضَى أيَّامَهُ الأَخِيرَةِ فِي حُجْرَتِهَا كما قالت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي ..."إلخ. وقد روى أحْمَدُ فِي"مسنده"عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ عَلَيَّ (يعني الموت) أَنِّي رَأَيْتُ بَيَاضَ كَفِّ عَائِشَةَ فِي الْجَنَّةِ" (4)