أي لا أَعْلَمُ أَحَدًَا اختبره اللهُ فِي الصِّدْقِ"أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي"أَيْ أَنْعَمَ عَلَيَّ (1) ؛"وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) "يعني وأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فينا تلك الآيَاتِ؛ وهذه مَنْقَبَةٌ كُبْرَى، وشَرَفٌ عظيمٌ لنا، حيث أعْلَنَ اللهُ تَعَالَى توبته علينا فِي هذه الآيَاتِ الكَرِيمَةِ، وأنزل فِي حَقِّنَا قُرْآنًَا يُتْلَى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ مُكَافَأَةً لنا على صِدْقِنَا مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلد ذكرنا وجعلنا مثلًا يحتذى، وأمر الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يكونوا صادقين مثلنا، فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) .
ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ:"فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلاَمِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا"يعني ما أعطانِي اللهُ نِعْمَةً بعد نِعْمَةِ الإِسْلامِ -فِي حَيَاتِي كُلِّهَا- أعظم وَقْعًَا فِي نفسي من كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وَفَّقَنِي إلى الصَّدْقِ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعَصَمَنِي من الكذب فَلَمْ أَهْلِك كما هَلَكَ الذين كَذَبُوا على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المُنَافِقِينَ"فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا - حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيّ - شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ"أي قال فيهم شَرَّ كَلامٍ قَالَهُ فِي أَحَدٍ من البَشَرِ، وَوَصَفَهُم بِأقْبَحِ الصِّفَاتِ"فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) "يعني فَقَالَ اللهُ فِي حَقِّهم: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شَرُّ مَقَالٍ قَالَهُ اللهُ فِي أَحَدٍ من خَلْقِهِ. حيث أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ بالإِعْرَاضِ عنهم وعدم مُعَاتَبَتِهِم احْتِقَارًَا لهم، ثُمَّ أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ باجْتِنَابِهِم، والابْتِعَادِ عنهم، لأنَّهُم"رِجْسٌ"، والرِّجْسُ والنَّجَسُ بِمَعْنَى وَاحِد، ثُمَّ تَوَعَّدَهُم أَشَدَّ الوَعِيدِ فِي قوله تعالى: (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثُمَّ بيّن أنَّ مُحَاوَلَتَهُم التَّخَلُّصِ من التَّوْبِيخِ والتَّأْنِيبِ، وإِرْضَاءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصْحَابِهِ بالأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ لا تنفعهم فِي الدُّنْيَا ولا ِفي الآخرة، لأَنَّ اللهَ سَيَفْضَحُ أمرهم، ويهتك سترهم فِي هذه السُّوْرَةِ التي سُمِّيَتْ"سُوْرَةُ الفَاضِحَةِ".
"قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} . وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: