أَوَّلًا: أَنَّ الإِمَامَ إذا اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ للغزو لَزِمَهُمْ النَّفِيرِ، ولَحِقَ اللَّوُمُ من تَخَلَّفَ مِنْهُم، ولذلك اشْتَدَّ الغَضَبُ على من تَخَلَّفَ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، وإنْ كان الجِهَادُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ولَكِنْ لَمَّا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنَّفِيرِ العام تَعَيَّنَ الخروج على كُلِّ قَادِرٍ عليه.
ثَانِيًَا: جَوَازُ تَرْكِ السَّلامِ على المُذْنِبِ، وهَجْرَهُ أَكْثَرَ من ثَلاثَةِ أيَّامٍ.
ثَالِثًَا: فَائِدَةُ الصِّدْقِ وعَاقِبَتُهُ الحَمِيدَةُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَ على هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وعفا عنهم بسبب صِدْقِهِم كما قَالَ كَعْبٌ:"إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ".
رَابِعًَا: شُؤْمُ الكَذِبِ وعَاقِبَتِهِ الوَخِيمَةِ، فَإنَّ المُنَافِقِينَ الذين اختلقوا الأعذار الكاذبة سَرْعَانَ ما فَضَحَهُم اللهُ وهَتَكَ سِتْرَهُم، ووصفهم بأقبح الصفات فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) .
خَامِسًَا: أَنَّ الخَطَأَ لا يُعَالَجُ بِخَطَأٍ آخَرَ، وِإلَّا تَفَاقَمَ الشَرُّ، وتَضَاعَفَ الخَطَأُ، وأَصْبَحَتِ المَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ، ولذلك آثر كَعْبٌ الصِّدْقَ لئلا يَجْمَعَ بين ذَنْبَيْنِ.
سَادِسًَا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّبْشِيرِ بالخير والتَّهْنِئَةِ بِالنِّعْمَةِ كما فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذه القِصَّةِ.
سَابِعًَا: اسْتِحْبَابُ سُجُودِ الشُّكْرِ عند حُدُوثِ نِعْمَةٍ من النِّعَمِ. قال ابن القيم: (وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ الْمُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَةَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالنِّقَمِ الْمُنْدَفِعَةِ، وَقَدْ سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وَسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا فِي الْخَوَارِجِ"اهـ(2) ."
ثامنًا: اسْتِحْبَابُ المبادرة إلى الصَّدَقَةِ وأعمال البِرِّ والإِحسان عند التَّوْبَة لقَوْلِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ".
تاسعًا: قال ابن القيم: وَقَوْلُ كَعْبٍ لِامْرَأَتِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَأَمْثَالِهَا طَلَاقٌ مَا لَمْ يَنْوِهِ"."
عاشرًا: قال ابن القيم: (مِنْ خُصُوصِيَّةِ أَمْرِهِمْ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ، فِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لَهُمْ إِلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَشَدِّ الْمِئْزَرِ، وَاعْتِزَالِ مَحَلِّ اللَّهْوِ وَاللَّذَّةِ وَالتَّعَوُّضِ عَنْهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَفِي هَذَا إِيذَانٌ بِقُرْبِ الْفَرَجِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْعَتَبِ أَمْرٌ يَسِيرٌ"."
الحادي عشر: قال ابن القيم:"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِعْطَاءَ الْمُبَشِّرِينَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ وَعَادَةِ الْأَشْرَافِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَهْنِئَةِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وَالْقِيَامِ إِلَيْهِ إِذَا أَقْبَلَ، وَمُصَافَحَتِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَهُ: لِيَهْنِكَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، وَنَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ".