(ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) "قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي"لِمَا كُنْتُ أَشْعُرُ بِهِ من ضِيْقِ الصَّدْرِ، وامْتِلاءِ القَلْبِ بِالهُمُومِ والغُمُومِ وشعرت بِأنَّ هذه الأرض الواسعة قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ من شِدَّةِ الأَلَمِ والحُزْنِ والخَوْفِ الذي أَصَابَنِي"سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ"أي صَوْتُ رَجُلٍ ينادي بِأَعْلَى صَوْتِهِ؛"أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْع"أي صَعَدَ فوق جَبَلِ سَلْعٍ، وصار ينادي"يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا"حمدًا لله تعالى وشكرًا له على توبته عليه"وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا"أي أعلن فِي النَّاسِ تَوْبَةَ اللهِ علينا،"وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا"أي وامْتَطَى رَجُلٌ جَوَادًَا واسْتَحَثَّهُ على الإِسْرَاعِ إلَيَّ، فَجَاءَ يَجْرِي بِسُرْعَةٍ كي يُبَشِّرُنِي بِهذه البِشَارَة"وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ"أي وَجَاءَ رَجُلٌ آخر يَجْرِي بِسُرْعَةٍ"فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ"أي صَعَدَ فوق جَبَلِ سَلْعٍ، فجعل ينادي بأعلى صوته يُبَشِّرُنِي بالتَّوْبَة."وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ"،"فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ"أي كَسَوْتُهُ ثَوْبيَّ اللذين لا أَمْلِكُ غَيْرَهُما، مُكَافَأةً له على بِشَارَتِهِ لي.
"وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا"أي جَمَاعَةً جَمَاعَةً"يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَة، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ"- بكسرِ النُّون كما رجحه الحافظ، وقال السفاقسي:"الأصوبُ فتحِ النُّون لأنَّه من الهناء -."
"فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ"أي يَتَلألأُ وَجْهُهُ تَلألُؤِ البَرْقِ من شِدَّةِ الفَرَحِ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» أي أَبْشِرْ يا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عليك فِي حَيَاتِكَ كلها!"قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟"لعله أراد: هل أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي تَوْبَتِهِ عَلَيْه قُرْآنًا يُتْلَى أم لا؟"قَالَ: «لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ". فأجابه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ الله أنزل في توبته عليه وعلى صاحبيه قُرْآنًا."وَكَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ"أي ظهر السُّرُورَ على مُحَيَّاهُ فَأضَاءَ وَجْهَهُ الشَّرِيفُ إِضَاءَة القَمَرِ المُنِيرِ."فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ"أي أَنْ أَتَصْدَّقَ بِكُلِّ مالِي فِي سَبيلِ اللهِ"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"أي تَصَدَّقْ بِالبَعْضِ فَقَطْ، وَأَبْقِ عندك شَيْئًَا من مَالِكَ لكي تنفق به على نَفْسِك وَعِيَالِك،"قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ".
"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا، مَا بَقِيتُ"أي بسبب أنَّي صدقت القول معك واعترفت لَكَ أنْ لا عُذْرَ لِي"فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"