"فَلَمَّا قِيلَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا"يعني قَدْ دَنَا قُدُومُهُ من المَدِينَةِ"زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ"أي زالت من رأسي جَمِيعُ الأَفْكَارِ السَّيِّئَةِ"وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا"أي لن أَتَخَلَّصْ وأَنْجُو حَقِيقَةً"بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ"لأَنَّ حَبْلَ الكَذِبِ قَصِيرٌ"فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ"لأنَّ النَّجاةَ فِي الصِّدْقِ.
"وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ"أي لاستقبالهم والحديث معهم وإرْشَادِهِم وتَعْلِيمِهِم، والحكم بينهم"فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ"بِالأعْذَارِ الكَاذِبَةِ"وَيَحْلِفُونَ لَهُ"الأيْمَانَ البَاطِلَةَ."وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا"والبِّضْعُ على المشهور ما بين ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ"فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلاَنِيَتَهُمْ"أي قَبِلَ منهم ظَاهِرَ أَمْرِهِم"وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ"أي ترك الحُكْمَ على مَا أَضْمَرُوهُ وأَخْفَوْهُ فِي نُفُوسِهِم إلى اللهِ تَعَالَى يَحْكُمُ فيهم بِمَا يَشَاءُ.
"فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ"أي تَبَسَّمَ لِي ولكن آثَارَ الغَضَبِ بَادِيَةً على وَجْهِه، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقابل إِنْسَانًَا بِمَا يَكْرَهُ"ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» !"أي تَقَدَّمْ إليَّ، واقْتَرِبْ مِنِّي"فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟"أي مَا هُوَ سبب تغيبك عن هذه الغزوة ومَا عُذْرُكَ فِي ذلك؟"أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟"أي اشْتَرَيْتَ رَاحِلَتَكْ؟"فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا"أي لو جَلَسْتُ عند النَّاس العاديين من الحكام والملوك والأمراء"لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ"أي لَوَجَدتُّ عُذْرًَا كَاذِبًَا يُرْضِيهِ، وتَخَلَّصَتُ منه بِهذا العُذْرِ الكَاذِبِ"وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا"أي وَلَقَدْ أُعْطِيتُ مَنْطِقًَا قَوِّيًَا"وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِب"أي لو اعْتَذَرْتُ لك اليوم بعذر كاذب"تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ"أي لَيَأْتِيَنَّكَ الْوَحْيّ قَرِيبًَا فيفضح كَذِبِي عندك، فَتَسْخَطَ عَلَيَّ وتغضب مِنِّي"وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ"واعْتَرَفْتُ لك بالحقيقة،"تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ"أي تغضب عَلَيَّ اليوم بِسَبَبِهِ"إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ"أي فإنِّي حين أَقُولُ الصِّدْقِ الذي يغضبك اليوم مِنِّي أنتظر أنْ يعفو الله عَنِّي مُكَافَأةً لِي على صِدْقِي، ثُمَّ قال:"لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ!"فاعْتَرَفَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ."فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ"وأخبر بالواقع"فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ"أي فَقُمْ الآن من مَجْلِسِي هذا، وانتظر حتَّى يَحْكُمَ اللهُ فيك.
"وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ"أي فقمت من مَجْلِسِهِ، وقام معي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ"فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا!"أي لَمْ يَسْبِقْ أنْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًَا أو ارْتَكَبْتَ مَعْصِيَةً قبل