فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 2668

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: بِالْجُحْفَةِ، وَقِيلَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أبو سفيان بن الحرث، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِالأَبْوَاءِ، وَقِيلَ: بَيْنَ السُّقْيَا وَالْعَرْجِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: لا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَخِي أَشْقَى النَّاسِ بِكَ، وَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي سُفْيَانَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوسُفَ:"تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ"فَإِنَّهُ لا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ قَوْلا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"؛ وَقَبِلَ مِنْهُمَا إِسْلامَهُمَا، فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ مُعْتَذِرا أَبْيَاتًا مِنْهَا:

لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلَ رَايَةً ... لتغلب خَيْلُ اللاتِ خَيْلَ مُحَمَّد

لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي

هَدَانِيَ هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّنِي ... عَلَى اللهِ مَنْ طَرَدتُّهُ كُلَّ مُطَرَّدِ (1)

فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ وَقَالَ: «أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ» . وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلامُهُ، فَيُقَالُ أَنَّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمَ حَيَاءً مِنْهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَيَقُولُ: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ» ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ:"لا تَبْكُوا عَلَيَّ فَلَمْ أَنْتَطِفْ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أسْلَمْتُ"اهـ (2) .

يقول أبو سفيان: فأسلمت وخرجت معه على هذا من الحال، حَتَّى شهدت فتح مَكَّة وحنين. فَلَمَّا لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السّيف صَلتًا، ولم يعلم أنِّي أريد الموت دونه، وهو ينظر إِلَيَّ، فقال الْعَبَّاس:"يا رسول الله! هذا أخوك وابن عمك أبو سُفْيَان بْن الْحَارِث فارض عَنْهُ". قَالَ:"قد فعلت؛ فغفر الله له كل عداوة عادانيها". ثُمَّ التفت إِلَيَّ فقال:"أخي". لعمري قَبَّلت رجله فِي الرِّكاب. قِيْلَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ حَجَّ، فَحَلَقَهُ الحَلاَّقُ فَقَطَعَ ثُؤْلُوْلًا فِي رَأْسِهِ فَمَرِضَ مِنْهُ وَمَاتَ بَعْدَ قُدُوْمِهِ بِالمَدِيْنَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ. وَيُقَالُ: مَاتَ بَعْدَ أَخِيْهِ نَوْفَلِ بنِ الحَارِثِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلأَبِي سُفْيَانَ يَرْثِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لاَ يَزُوْلُ ... وَلَيْلُ أَخِي المُصِيْبَةِ فِيْهِ طُوْلُ

وَأَسْعَدَنِي البُكَاءُ وَذَاكَ فِيْمَا ... أُصِيْبَ المُسْلِموْنَ بِهِ قَلِيْلُ

فَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيْبَتُنَا وَجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيْلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُوْلُ

فَقَدْنَا الْوَحْيّ وَالتَّنْزِيْلَ فِيْنَا ... يَرُوْحُ بِهِ وَيَغْدُو جبرئيل

الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت