فهرس الكتاب

الصفحة 2094 من 2668

وَسَلَّمَ قال لهم:"انْضَحْ الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكِ" (1) . وأمرهم أنْ لا يتركوا أماكنهم مَهْمَا كانت الأَحْوَالُ والظُّرُوفُ، فلما التقى الجيشان انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ حتَّى أَسْرَعَ النِّسَاءُ هَارِبَاتٌ من أَرْضِ المَعْرَكَةِ، وَأَخَذْنَ يَشْتَدِدْنَ عَلَى الْخَيْلِ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِيلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فعند ذلك طمع الرُّماة في الغنيمة، وأسرعوا إلى الغنائم يأخذونها قائلين: الغنيمة الغنيمة، وذكَّرهم أميرهم بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم أنْ لا يبرحوا الجبل، فلم يلتفتوا إليه، وذهبوا لجمع الغنائم فلما وقع ذلك منهم، ونَظَرَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ إلى الجَبَلِ، فَوَجَدَهُ خَالِيًَا، فَكَرَّ بِالخَيْلِ وتَبِعَهُ عكرمة فحملوا على من بَقِيَ من الرُّمَاةِ فَقَتَلُوهُمْ، وقَتَلُوا أَمِيرَهُم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وارْتَبَكَ المُسْلِمُونَ، وصَارَ يَضْرِبُ بَعْضُهُم بَعْضًَا، وَوَقَعَتِ الهَزِيمَةُ وثَبَتَ رَسُولُ اللهِ وبَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَذَاعَ فِي النَّاسِ وشَاعَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ (2) ووصلت هذه الإشاعة إلى أبي سُفْيَانَ، فأراد أنْ يتأكد من ذلك، فنادى بأعلى صوته:"أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُجِيبُوهُ» فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: «لاَ تُجِيبُوهُ» فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فلم يقدر عمر أن يسيطر على نفسه، ويمنعها عن الإِجابة، فقال لأبِي سُفْيَانَ:"كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ"أي كذَّبَ اللهُ ظَنَّكَ، وخَيَّبَ أَمَلَكَ"أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ!"وهو بَقَاءُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَرَادَ أنَّ يُعَبِّرَ عن فَرَحِهِ وسُرُورِهِ واعْتِزَازَهِ بآلِهَتِهِم الباطلة، فَقَالَ:"اعْلُ هُبَلُ!"أي زدت عزًا ورفعة وعلوًا يا هُبَلُ بانتصارنا على مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ، فأمر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُسْلِمين أَنْ يُجِيبُوهُ بِقَوْلِهِم:"اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ"."

وَأراد أَبُو سُفْيَانَ أنْ يفاخر المُسْلِمين بِبَعْضِ أسْمَاءِ آلهتهم، وأنَّهم ليس لهم مثلها"لَنَا العُزَّى (3) وَلاَ عُزَّى لَكُمْ"فأمرهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ بِقَوْلِهِم:"اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ"، أي الله ناصرنا ولا ناصر لكم. عند ذلك قال أَبُو سُفْيَانَ:"يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ"، أي هذا اليوم مقابل يوم بدر، وكان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أَصَابَ منهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ قَتِيلًا وأصابوا من المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ شَهِيدًَا: فكانت هذه بِهذه."وَالحَرْبُ سِجَالٌ"أي نُوَبٌ، نَوْبَةٌ لك وَنَوْبَةٌ لنا، مرة تغلبنا، ومرة نغلبك فَأَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا سُفْيَانَ على ذلك ولَمْ يُجِبْهُ، لأنَّهُ الحقيقة والواقع، ثُمَّ قال أَبُو سُفْيَانَ:"وَتَجِدُونَ مُثْلَةً"بضم الميم وسكون الثاء أي وتجدون فِي قَتْلاكُم بَعْضَ التَّمْثِيلِ بِهِم من جَدْعِ أُنُوفَهُم، وقَطْعِ آذَانِهِم، قال:"لَمْ آمُرْ بِهَا"أي لَمْ آمر بِهذه المُثْلَةِ قبل وقوعها،"وَلَمْ تَسُؤْنِي"بعد وقوعها.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت