يَرُشُّونَهُ، وَيُقِيمُونَهُ، وَيَتَبَّرَدُونَ فِيهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوَى إِلَى الظِّلِّ، فَنَزَلَ فِيهِ وَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ إِلَيْكَ فَانْقُلْ رَحْلَكَ إِلَيَّ، قَالَ: «نَعَمْ» فَذَهَبَ بِرَحْلِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ"اهـ."
"ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ"أي فَسَاوَمَ وصيَّهُما فِي شِرَاءِ ذلك الْمِرْبَدِ"لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا"أي ليبني على تلك الأَرْضِ مَسْجِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَقَالاَ: لاَ، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ"أي نعطيه لك دُونَ ثَمَنٍ."فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَ"أي فَرَفَضَ أنْ يقبله منهما بِدُونِ ثَمَنٍ،"ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا"أي ثم اشتراه منهما، وبَنَى فِي مَكَانِهِ مَسْجِدًَا،"وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ"أي وشَرَعَ رَسُولُ اللهِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ، وشَارَكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصْحَابَهُ بيده فِي بنائه، فَصَارَ ينقل معهم اللَّبِنَ"وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:"يعني وينشد أثناء ذلك قول الشَّاعِرِ:
هَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذا أبرُّ رَبّنا وَأطْهَرْ
أي إِنَّ مَا يَحْمِلُهُ المُسْلِمون فِي بناء المَسْجِدِ أَعْظَمُ وأَجَّلُ من أَحْمَالِ خَيْبَرْ وتُمُورِهَا كُلِّهَا، لما يُنَالُ به من نعيم الآخرة الذي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ ويَقُولُ:
اللهم إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخرة ... فارْحَمِ الأنصَارَ وَالمُهَاجرَة
أي الأجر الحقيقي هو الأجر الأخروي، لأنَّهُ كما قال بَعْضُهُم:"لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا من جَوْهَرٍ يَفْنَى والآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ يَبْقَى لَكَانَتِ الآخِرَةُ أَفْضَل"، ثُمَّ دَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمهاجرين والأنصار بالرَّحْمَةِ والرِّضْوَانِ فِي قَوْلِهِ:"فارْحَمِ الأنصَارَ وَالمُهَاجِرَة".
ويستفاد منه فوائد وأحكام كثيرة كما يَأتِي:
أَوَّلُهَا: بَيَانُ قِصَّةِ هِجْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة والحَفَاوَةِ البَالِغَةِ التي قُوبِلَ بِهَا، فكانوا يَفِدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إلى الحَرَّةِ ينتظرون قدومه لكي يستقبلوه حتَّى يَرُدَّهُم حَرُّ الظَّهِيرَةِ، ثُمَّ لَمَّا جَاءَتْهُم البشرى بوصوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة تَقَلَّدُوا سُيُوفَهُم، وذهبوا لاستقباله، وأحاطوا به خوفًا عليه من اليَهُودِ وقالوا: اركبا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَرِكَبَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَبُو بَكْرٍ وحَفُّوا دُونَهُما بالسِّلاحِ، فقيل بالمدينة: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ جَاءَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ - أي فصار أهل المدينة يتطلعون إلى رؤيته، ويهتفون باسْمِهِ قائلين: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، قال البراء بن عازب:"فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَخْرَجَهُ