"فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِتًا"أي فوقف أَبُو بَكْرٍ يُسَلِّمُ على المُسْتَقْبِلِينَ"فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ - مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ"أي يبدأ بالسَّلام على أبِي بَكْرٍ يَظُنُّ أنَّه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ"أي فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى وَقَفَ خَلْفَهُ، وظَلَّلَ عليه من أَشِعَّةِ الشَّمْسِ بِرِدَائِهِ"فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ"أي فلما ظَلَّلَ عليه الصِّدِّيقُ عَرَفَ النَّاسِ عند ذلك من هو رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
"فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ"أي فأقام النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ نَزِيلًا على كُلْثُومِ بْنِ الهَدْمِ،"بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً"أي أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً كما فِي حديث أنس، وقال ابن إسحاق: أقام خَمْسًَا، وهو أَنْسَبُ الأَقْوَالِ وأَظْهَرِهَا، وأكثرها مُلاءَمَةٍ لِسِيَاقِ القِصَّةِ، لأنَّهُ تَوَجَّهَ إلى المدينة يَوْمَ الجُمُعَةِ، وصَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ (10) ، فتكون إقامته فِي قِبَاء خَمْسَةَ أيَّامٍ من الاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَةِ إذا حَسَبْنَا يوم الخروج منها."وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى (11) "وهو مَسْجِدِ قُبَاءٍ، أَوَّلُ مَسْجِدٍ بَنَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة"اهـ."ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ"قال ابن إسحاق: فاستقبلهما زَهَاء خَمْسِمَائِةٍ من الأنْصَارِ حتَّى انْتَهَوْا إليهما، فَقَالَتِ الأنْصَارُ انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصَاحِبُهُ بين أظهرهم - أي فِي وسطهم وهم يحفون به الخ. وأدركته الجمعة فِي الطَّرِيقِ فِي بَنِي سَالمِ بْنِ عَوْفٍ فَنَزَلَ وصَلَّاهَا هناك، ثُمَّ واصل سيره إلى المدينة"حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ""وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ"أي مَوْضِعًَا يُجَفَّفُ فِيهِ التَّمْرُ"لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ"أي تحت وصايته -"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ» "أي هذا هو الموضع والمكان الذي نَنْزِلُ فيه إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنُزُولِنَا."
قال فِي"سنن سعيد بن منصور":"عَنْ صِدِّيقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَاسْتَنَاخَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بَيْنَ دَارِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَدَارِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَأَتَاهُ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَنْزِلُ، فَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ:"دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى جَاءَتْ بِهِ بَابَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَاسْتَنَاخَتْ بِهِ، فَأَتَاهُ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَنْزِلُ، فَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى جَاءَتْ بِهِ مَوْضِعَ الْمِنْبَرِ فَاسْتَنَاخَتْ بِهِ ثُمَّ تَحَلَّلَتْ، وَلِلنَّاسِ ثَمَّ عَرِيشٌ كَانُوا