فهرس الكتاب

الصفحة 2063 من 2668

البُخَارِيّ، وقال أنس:"فخرجت جَوَارٍ من بني النَّجَار يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ وهُنَّ يَقُلْنَ: (نَحْنُ جَوارٍ مِنْ بَنِي النَجَّارِ ... يَا حَبَّذا مُحَمَّدًا مِن جَارِ) (12) . واحْتَفَى به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ رِجَالًا ونِسَاءً، ووقف العواتق على شرفات المنازل يترائينه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتطلعن إليه يقلن:"أيهم هو؟"وخرج إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّجَالُ والغِلْمَانُ والخَدَمُ يقفون على جَانِبَيْ الطَّرِيقِ يَهْتِفُونَ بِاسْمِهِ، ويُكَبِّرُونَ، ويَقُولُونَ -كما رَوَى ذلك الْبَرَاءُ بْنِ عَازِبٍ:"اللهُ أَكْبَرُ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"."

ثَانِيها: أَنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي تاريخ الدَّعْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ، وفَاتِحَةَ نَصْرٍ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وللمؤمنين، وكانت كما قال ابن القيم:"مبدءًا لإعزاز دين الله، ونصرة عبده ورسوله، وكانت استجابة لدعوة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي أمره الله بِهَا، وتحقيقًا لَهَا، حيث أمره أن يقول: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) فَحقَّقَ اللهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهذه الهِجْرَةِ كُلَّ المآرِبِ، ووجد فِي طيبة الطيبة أرضًا خصبة لنشر دعوته، فازدهرت الدَّعْوَةُ الإِسْلامِيَّةُ، وقويت، واشتدت، ومكن الله لَهَا فِي الأرض، ولذلك أجْمَعَ الصَّحَابَةُ فِي خِلافَةِ الفَارُوقِ على أَنْ يُؤَرِّخُوا بِالهِجْرَةِ، وكان ذلك فِي السنة السابعة عشرة حيث استشار عمر المُسْلِمين فِي وَضْعِ تَارِيخٍ إسْلامِيٍّ يَتَعَرَّفُونَ بِهِ آجَالَ الدُّيُونِ وغيرها من القَضَايَا الهَامَّةِ، ثُمَّ اخْتَارَ عُمَرُ الهجرة، وجعل بداية العام الهِجْرِي من المُحَرَّمِ، لأنَّهُ أَوَّلُ الشُّهُورِ العَرَبِيَّةِ".

ثَالِثُهَا: أَنَّ فِي نُزُولِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدار أَبِي أَيُّوبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شرف وفضيلة عظيمة له رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قال ابن كثير:"وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ نَزَلَ فِي دَارِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَبُو أَيُّوبَ الْبَصْرَةَ؛ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَائِبًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَخَرَجَ لَهُ ابْنُ عبَّاس عَنْ دَارِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ فِيهَا كَمَا أَنْزَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وملكه كل ما أغلق عليها بَابَهَا. وَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ أَعْطَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عِشْرِينَ الْفًا، وَأَرْبَعِينَ عَبْدًا. وَقَدْ صَارَتْ دَارُ أبِي أَيْوُبَ بَعْدَهُ إِلَى مَوْلَاهُ أَفْلَحَ. فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ الْمُغِيرَةُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَصَلَّحَ مَا وَهَى مِنْ بُنْيَانِهَا وَوَهَبَهَا لِأَهْلِ بَيْتٍ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ" (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت