قال النووي:"وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَمُعْظَمُ السَّلَفِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَنْ طَالَعَهَا وَبَحَثَ عَنْهَا وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي حَمْلِهَا عَلَيْهِ فَيُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بخمس سنين وقال بن إِسْحَاقَ أُسْرِيَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ وَالْقَبَائِلِ) وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وبن إِسْحَاقَ إِذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صَلَّتْ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ أنَّها توفيت قبل الهجرة بمدة قيل بثلاث سِنِينَ وَقِيلَ بِخَمْسٍ وَمِنْهَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَجْعَلُهَا رُؤْيَا نَوْمٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَالَةَ أَوَّلِ وُصُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَائِمًا فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ"اهـ (11) . قال عياض:"فلعل معناه أنّه لما عاد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نام بقية تلك الليلة فلما استيقظ فِي الصباح وجد نفسه فِي المسجد الحرام"اهـ.
واسْتَدَلَّ القائلون بِأَنَّ الإسراء والمعراج كانا بالجَسَدِ والرُّوْحِ مَعًَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) حيث افتتحها الله بالتَّسْبِيحِ المُشْعِرِ باسْتِعْظَامِ ما كان فِي الأَمْرِ، والتَّعجب منه، لأنَّه حادث خارق للعادة، مخالف للسنن الكونيّة، فلو كان الإسراء بالروح فقط لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يقتضي هذا لأنه أمر عادي يقع لِكُلِّ وَاحِدٍ. ثُمَّ إنَّهُ قَالَ تَعَالَى:"بِعَبْدِهِ"وهو نَصٌّ قَاطِعٌ فِي الموضوع، لأنَّ العبد لا يطلق إلاّ على الشَّخص المكون من الرُّوْحِ والجَسَدِ؛ واسْتَدَلُّوا أيضًا بِمَا جَاءَ فِي أحاديث الإسراء والمعراج من أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أخبرهم بذلك هاج هائجهم، وقامت قيامتهم، فمنهم الواضع يده على رأسه تعجبًا، ومنهم المصفق بيده، وارْتَدَّ بَعْضُ من كان على الإِسْلامِ، فهل تَرَى أنَّ ذلك كله كان من أَجْلِ رُؤْيَا مَنَامِيَّةٍ أخبرهم عنها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!. كما أنَّ فِي القِصَّةِ ما هو أكثر وأقوى دِلالَةً من هذا وهو أنَّهُم سألوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عِيْرِهِم فَأَجَابَهُم بأنَّه مَرَّ بِهَا، وقَدْ نَدَّ منها بَعِيرٌ فانْكَسَرَ، وأنَّهُ مَرَّ بِعِيْرٍ أُخْرَى قَدْ ضَلُّوا نَاقَةً لهم، وكان معهم قَدَحٌ مِنَ المَاءِ فَشَرِبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُم عِنْدَمَا قَدِمُوا مَكَّةَ: فَصَدَّقوا ذلك، فَهَلْ تَرَى أَنَّ الرُّوْحَ هِيَ التي شَرِبَتْ؟ وقد قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فِي"مختصر سيرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ":"ثُمَّ أُسْرِيَ"