فهرس الكتاب

الصفحة 2046 من 2668

فإِنَّ الرُّؤْيَا لا تَخْتَصُّ بالرُّؤْيَا المَنَامِيَّةِ وَحْدَهَا، فَتَخْصِيصِهَا بِمَا يُرَى فِي النَّوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ من عِدَّةِ وُجُوهٍ:

منها ما ذكره السهيلي من أنَّ الرُّؤْيَا تأتِي فِي كلام العرب بِمعنى ما يُشَاهَدُ فِي اليَقَظَةِ ويُرَى بالعين أَيْضًَا، ومن ذلك قول الرَّاعي:

وَكَبَّرَ للرُؤْيَا وَهَشَّ فُؤادُهُ ... وَبَشَّرَ قَلْبًا كَانَ جَمًَّا (9) بَلابِلُهْ

ومنها، وهو أَقْوَاهَا أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَسَّرَ الرُّؤْيَا فِي الآيَةِ بِأنَّهَا رُؤْيَا بَصَرِيَّة لا مَنَامِيَّة حيث قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ"وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حُجَّةٌ فِي اللغة ولسان العرب، وأهل مَكَّةَ أدرى بِشِعَابِهَا، ولو كانت منامًا ما افْتُتِنَ به النَّاسُ حتَّى ارتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ.

قال الحافظ فِي"الفتح":"يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فَإِنَّ الَّذِي يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصْعَدَ الرُّوحُ مَثَلًا إِلَى السَّمَاءِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَنْ يَرَى النَّائِمُ ذَلِكَ؛ وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ أَصْلًا. فَيَحْتَمِلُ مَنْ قَالَ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَصْعَدْ جَسَدُهُ أَرَادَ أَنَّ رُوحَهُ عُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً فَصَعِدَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَجَسَدُهُ بَاقٍ فِي مَكَانِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ كَمَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شُقَّ صَدْرُهُ وَالْتَأَمَ وَهُوَ حَيٌّ يَقْظَانُ لَا يَجِدُ بِذَلِكَ أَلَمًا انْتَهَى وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ تَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ وَعُرِجَ بِهِمَا حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ لَا مَنَامًا وَلَا اسْتِغْرَاقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (10) .

وأمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"مَا فُقِدَ جَسَد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ َوَلَكِن عُرِجَ بِرُوحِهِ"فإنَّهُ يعارض قَوْلَ أَبِيهَا الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ:"طَلَبْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْبَارِحَةَ فِي مَكَانِكَ فَلَمْ أَجِدْكَ! فَأَجَابَهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَمَلِنِي إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى"أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيّ وابن مردويه، والصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَدْرَى من عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمَا وقع فِي تلك الليلة، لأنَّها كانت إذْ ذَاكَ طفلةً صغيرةً، لا يَتَجَاوَزُ عمرها على أقرب الرِّوَايَاتِ سَبْعَ سَنَوَاتٍ، هذا إذا قلنا إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْرِيَ بِهِ قبل الهجرة بعام. أمَّا على القول بأنَّ الإسراء كان قبل الهجرة بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ فإنَّ عُمْرَهَا إذْ ذَاكَ كان لا يَتَجَاوزُ ثَلاثَ سِنِينَ، فهل نأخذ بِقَوْلِهَا أو بِقَوْلِ أَبِيهَا؟! على أنَّهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَتَحَدَّثْ بذلك عن مُشَاهَدَةٍ، لأنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذلك الوقت، فلماذا يُرَجَّحُ حَدِيثُهَا على حَدِيثِ أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي قاله عن مُشَاهَدَةٍ ومُعَايَنَةٍ وحَضَرَهُ بِنَفْسِهِ؟!"اهـ -كما أفاده القاضي عياض-."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت