فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 2668

إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ"أي قال لِي: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأمتك؛"فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ"أي فأمرنِي اللهُ تَعَالَى بِخَمْسٍ، يعني فَصَارَتْ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليوم، واسْتَقَرَّ الأَمْرُ على ذلك حَيْثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي"أي نفذت حكمي وجعلت الصَّلاة خَمْسًا، تخفيفًا على عبادي من هذه الأمة المحمدية، فلله الحمد والمِنَّة."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أَنَّ من المُعْجِزَاتِ العَظِيمَةِ الثَّابِتَةِ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْجِزَةُ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ (5) ، والصَّحِيحُ أنَّهُمَا وَقَعَتَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ قبل الهجرة بِسَنَةٍ (6) وإِنَّمَا كان بعد رجوعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الطَّائِفِ ليكون فِي ذلك تَسْلِيَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَقْوِيَةً لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ على ما يواجهها من المصاعب.

وقد رويت قصة الإسراء والمعراج عن كثير من الصَّحَابَة عَدَّد منهم فِي"المواهب اللدنية"سِتَّةً وَعِشْرِينَ صَحَابِيًَا. واختلف السَّلَفَ والخَلَفُ: هل كان الإسراء بِالرُّوْحِ فقط أو بِالرُّوْحِ والجَسَدِ مَعًَا، فذهبت طَائِفَةٌ إلى أنَّهُ إسْرَاءٌ بالرُّوْحِ، وأنَّهُ رُؤْيَا مَنَامٍ، وإلى هذا ذهب معاوية وابن مسعود وعائشة والحسن البصرى فِي رواية كما فِي"الشِّفَاءِ"للقاضي عياض، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) لأَنَّ الرُّؤْيَا لا تُطْلَقُ إلّا على ما يُشَاهَدُ فِي النَّوْمِ، أمَّا مَا يُشَاهَدُ فِي اليَقَظَةِ فإنَّه يُسَمَّى رُؤيَة لا رُؤْيَا، قالوا: فلمَّا سَمَّى اللهُ المِعْرَاجَ رُؤْيَا عَلِمْنَا أنَّهُ كَانَ مَنَامًَا، واحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّها قالت:"مَا فُقِدَ جَسَد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَلَكِن أُسْرِيَ بِرُوْحِهِ" (7) وقَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"وذكر القِصَّةَ ثُمَّ قال فِي آخِرِهَا:"فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"اهـ. غير أنَّ الإمَامَ ابن القيم نفى عن مُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُمَا يَقُوْلانِ بِأَنَّ الإسْرَاءَ كان مَنَامًَا، فقال فِي"زاد المعاد":"وَعَائِشَةُ وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَقُولَا: كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا قَالَا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ"اهـ (8) . وذهب معظم السَّلف والخلف إلى أنَّ الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معًا، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وابن المسيب وابن شهاب والحسن البَصْرِيّ والنخعي، وهو قول أكثر المتأخرين، وأَجَابُوا بِأَنَّ قَوْلَهَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ليس نصًا صريحًا على نفي الرؤية بالبصر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت