فِي يَدِهَا، فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ «أَيَغُرُّكِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ، وَفِي يَدِهَا سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ؟، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَقْعُدْ، فَأَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ بِالسِّلْسِلَةِ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَتْهَا، وَاشْتَرَتْ بِثَمَنِهَا غُلَامًا» وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: عَبْدًا؛ وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَأَعْتَقَتْهُ. فَحُدِّثَ بِذَلِكَ وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى فَاطِمَةَ مِنَ النَّارِ» " (9) . وَعَنْ دَاوُدُ بنُ أَبِي الفُرَاتِ: عَنْ عِلْبَاءَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوْعًا: (أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (10) ."
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ بألفاظ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ"لفَاطِمَةَ"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ومَكَانَتِهَا من نَفْسِهِ فيقول:"فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي"أي جُزْءٌ مِنِّي، وقِطْعَةٍ من كَبِدِي فهي مُهْجَةِ القَلْبِ، وثَمَرَةِ الفُؤَادِ، وذلك أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ يِشْعُرُ بِهِ كُلّ إنْسَانٍ نَحْوَ أَوْلادِهِ، و"مِنْ"الاتِّصَالِيَّةِ فِي قَوْلِهِ:"مِنِّي"تُفِيدُ اتِّصَالَ مَشَاعِرِهِ بِمَشَاعِرِهَا، وأَحَاسِيسِهِ بِأحاسِيسِهَا، ولهذا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي"وذلك لما بينهما من تجاوب نفسي، ومشاركة وجدانية فِي الانفعالات والمشاعر.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: فَضْلُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ومكانتها عند النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِكَوْنِهَا بَضْعَةٌ مِنْهُ، ولِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهَا نَفْسِيًَّا، وهذه مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَهَا، وفَضِيلَةٌ ومزية لها على غيرها كما ترجم له البُخَارِيّ.
ثَانِيًَا: أَنَّ أَوْلادَ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَضْعَةٌ مِنْهَا فيكونون بواسطتها بَضْعَةٌ مِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كما أفاده السَّمْهودي: قال الحافظ:"فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ شَيْءٌ فَتَأَذَّتْ بِهِ فَهُوَ يُؤْذِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إِدْخَالِ الْأَذَى عَلَيْهَا مِنْ قَتْلِ وَلَدِهَا وَلِهَذَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مُعَاجَلَةُ مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ"اهـ (11) . ومِصْدَاقُ ذلك ما وَقَعَ لابْنِ زِيَادٍ قَاتِلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ:"دَخَلْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ، وَإِذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُدَّامَهُ عَلَى تُرْسٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْتُ إِلاَّ قَلِيلًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَإِذَا رَأْسُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى تُرْسٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْتُ إِلاَّ قَلِيلًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِذَا رَأْسُ الْمُخْتَارِ عَلَى تُرْسٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْتُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَإِذَا رَأَسُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى تُرْسٍ" (12) ."وأمَّا عُمَرُ بْنِ سَعُدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (الذي"