فهرس الكتاب

الصفحة 1981 من 2668

قال:"ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا"أيْ ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ ذلك الدَّلْوِّ فانَقَلَبَتْ فِي يَدِهِ دَلوًا عَظِيمَةً وفِي هذا إشارة إلى طُوْلِ مُدَّةِ خِلافَتِهِ، وكَثْرَةِ فُتُوحَاتِهِ، لأَنَّ الذَّنُوبَ التي اسْتَحَالَتْ غَرْبًا هي كِنَايَةٌ عن خِلافَتِهِ."فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ" (2) قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ:"العَبْقَرِيُّ: عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ". وَقَالَ يَحْيَى:"الزَّرَابِيُّ: الطَّنَافِسُ لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ؛ والخَمْلُ: الأَهْدَاب"؛ وقَالَ العَيْنِيُّ:"والعبقري: هُوَ الحاذق فِي عمله، وَهَذَا عبقري قومه أَي سيدهم، وَقيل: أصل هَذَا من عَبْقَرٍ وَهِي أَرْضٌ يَسْكُنُهَا الْجِنُّ، فَصَارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْسُوبٍ إِلَى شَيْءٍ غَرِيبٍ فِي جَوْدَةِ صَنْعَتِهِ وَكَمَالِ رِفْعَتِهِ، وَقيل: عَبْقَرُ قَرْيَةٌ يُعْمَلُ فِيهَا الثِّيَابَ الْحَسَنَةِ فَيُنْسَبُ إِلَيْهَا كُلَّ شَيْءٍ جَيِّدٍ. وَقَالَ الْخطابِيّ: العبقري كُلُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ النِّهَايَةَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ"اهـ (3) . والمعنى: فلم أَرَ فِي النَّاسِ سَيِّدًَا عَظِيمًَا، ورَجُلًا قَوِّيًَا وإنْسَانًَا حَاذِقًَا يعمل عمله"حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"بفتح العين والطاء وهو مبرك الإِبل حَوْلَ المَاءِ، أي ما زال يُخْرِجُ للنَّاسِ المَاءَ حتَّى نَصَبَ النَّاسُ خِيامَهُم، وأقَامُوا إِبِلَهُم حَوْلَ المَاءِ، قال ابن الأنباري:"وقد ضرب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك مثلًا لاتِّسَاعِ النَّاسِ زَمَن الفَارُوقِ، وما فُتِحَ عليهم من الأَمْصَارِ والغَنَائِمِ"اهـ (4) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: فَضْلُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقيامه بالخلافة على الْوَجْهِ الأَكْمَلِ، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام أبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ، ويؤكد ذلك ما جاء فِي الرِّوَايَة الأُخْرَى حيث قال:"فَأَتَانِى أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِى لِيُرِيحَنِى" (5) فإنَّ ذلك يَدُلُّ على أَنَّ سِياسَتَهُ الرَّشِيدَةُ كانَتْ مُرْضِيَةً مُرِيحَةً، وكذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا"فإنَّهُ يَدُلُّ على أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قام بِخِدْمَةِ هذه الأُمَّةِ، وهيأ لَهَا كُلَّ مُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ التي تتعلق بالدِّينِ والدُّنْيَا معًا، لأَنَّ المَاءَ هو العنصر الأساسي للحياة.

ثانيًا: أنَّ مُدَّةَ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصِيرَةٌ، كما يُشِيرُ إليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ"وأَنَّ مُدَّةَ الفَارُوقِ طَوِيلَةٌ بعضَ الشَيْءِ، كما يشير إليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا".

ثالثًا: عَبْقَرِيَّةُ الفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وتفوقه على غيره، وقدرته على الأعمال العظيمة التي يعجز عنها سِوَاهُ، كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ".

رابعًا: أنَّ إخباره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حَالِ الخَلِيفَتَيْنِ من بعده عَلامَةٌ مِنْ عَلامَاتِ نُبُوَّتِهِ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.

والمطابقة: فِي إخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الغَيْبِيَاتِ التي وَقَعَتْ بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت