أمَّا بَقِيَّةُ صِفَاتِهِ الجِسْمِيَّةِ: فَقَدْ كان شَعْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَد مُسْتَرْسِلًا ليس بِشَدِيدِ النُّعُومَةِ كَشُعُورِ الأَعَاجِمِ، ولا بِالشَّدِيدِ الخُشُونَةِ كَشُعُورِ الأَحْبَاشِ، وإِنَّمَا كان مُسْتَرْسِلًا فِيهِ بعض التَّثَنِّي والتَّكَسُّرِ، وتلك هي سِمَاتِ الشَّعْرِ العَرَبِي. وكان نَاعِمَ البَشْرَةِ ذَكِيِّ الرَّائِحَةِ كما قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَصْفِهِ:"مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلاَ مِسْكًا، وَلاَ شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وليست هذه الرَّائِحَةُ الشَّذِيَةُ صَادِرَةً عن الطِّيب الذي يَتَطَيَّبُ بِهِ، وإِنَّمَا هي رَائِحَتُهُ الذَّاتِيَّةِ المُنْبَعِثَةِ مِنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كما أفاده الشهاب الخفاجي.
أما بقية صِفَاتِه التي لَمْ تُذْكَر فِي أحَادِيثِ البَابِ: أو فِي الأحاديث التي سُقْنَاهَا فهِيَ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُشْرِقُ الصُّورَةِ، مُسْتَدِيرُ الْوَجْهِ فِي إشْرَاقَةِ البَدْرِ واسْتِدَارَةِ القَمَرِ، وكان كما فِي حَدِيثِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ". وكان كما وصفه ابن أبِي هَالَةَ:"يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وَاسِعُ العَيْنَيْنِ شَدِيدُ سَوَادِ الحَدَقَةِ، أَهْدَبُ الأَجْفَانِ"أي كَثِيرُ شَعْرِ الأَجْفَانِ"أَبْلَجُ الْوَجْهِ"أي مُشْرِقُ الْوَجْهِ بالأَنْوَارِ البَهِيَّةِ"أزج الحاجبين (2) ، كَثُّ اللِّحْيَةِ. وَاسِعُ الفَمْ من غَيْرِ إفْرَاطٍ"والعرب تَتَمَدَّحُ بذلك، لِدِلالَتِهِ على الفَصَاحَةِ"يبلغ شعر رأسه شحمة أذنيه، ويتجاوزها إلى منكبيه"قال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ"أخرجه مسلم. وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِعُ الصَّدْرِ عَرِيضُ الظَّهْرِ، غَلِيظُ الكَتِفَيْنِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمَ النُّبُّوَةِ وهو غُدَّةٌ حَمْرَاءَ مِثْلُ بَيْضَةِ النَّعَامَةِ، كما كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْبَ الْكَفَّيْنِ، وَاسِعَ القَدَمَيْنِ"."وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا افترّ ضَاحِكًَا افترّ عن مِثْلِ سَنَا البَرْقِ، وعن مِثْلِ حَبِّ الغَمَامِ (3) ، وإذا تكلم رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ من ثَنَايَاهُ"."
أمَّا صِفَاتُهُ الخُلُقِيَّة فَقَدْ جَمَعَ اللهُ فيه كُلَّ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ ومَحَاسِنِ الشِّيَمِ، إذْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المثل الأعلى فِي سُلُوكِهِ الخُلُقِيِّ قَوْلًا وفِعْلًا، فلا يصدر منه القول القبيح طبيعة ولا تطبعًا لأنّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلِيمُ النَّفْسِ، يُحَافِظُ على مَشَاعِرِ غَيْرِهِ، حتَّى لو أَسَاءَ إليه فلا يُوَاجِهُ إنْسَانًا بِمَا يَكْرَهُ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَذَّبًَا فِي معاملته للنَّاسِ، متواضعًا لين الجانب، رَقِيقَ المَشَاعِرِ، مُرْهَفِ الإِحْسَاسِ، يُحْسِنُ إلى النَّاسِ، ويَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ، ويَعُوُدُ مَرْضَاهُمْ، ويُشَيِّعُ جَنَائِزَهُم، يُعْطِي ولا يَبْخَلُ بِالعَطَاءِ، ولا يَرُدُّ سَائِلًا.
أمَّا أَدَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحديث: فقد كان بَلِيغَ المَنْطِقِ، فَصِيحَ الكَلامِ وَاضِحَ البَيَانِ، إذا نَطَقَ تَأَنَّى فِي نُطْقِهِ وأتى بكلامه بينًا مفصلًا جملة جملة، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا يفهمه