فهرس الكتاب

الصفحة 1970 من 2668

السامع ويعيه، وهذا من فصاحته وحرصه على إفهام المخاطب، وقَدْ نَزَّهَ اللهُ مَنْطِقَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التَّمْتَمَةِ (4) والفَأفَأةِ (5) والتَّنَطْعِ (6) والتَّمَطُّقِ (7) والتَّفَيْهُقِ (8) وجَعَلَهُ جَارِيًَا على السَّليِقَةِ العَرَبِيَةِ الأَصِيلَةِ (9) - لا تَصَنُّعَ فيه ولا تكلف.

أمَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فهو من أَشْرَفِ الأَنْسَابِ، وأَكْرَمِ بُيُوتَاتِ العَرَبِ، صَانَهُ اللهُ مِنَ سِفَاحِ الجَاهِلِيَّةِ، ونقله من الأَصْلابِ الطَّاهِرَةِ إلى الأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ جِيلًا بعد جِيلٍ، فاصْطَفَى من ولد إسماعيل كنانة، ومن كنانة قريش، ومن قريش بني هاشم فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيارٌ من خيارٍ من خيارٍ.

ثانيًا: أنَّ فِي هذه الأحاديث من الأحكام جواز فَرْقِ شَعْرِ الرأس وسدله إلاّ أنَّ الفّرْق أفضل، لأنَّه آخر الأمرين من فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو سُنَّةٌ مُسْتَحَبَةٌ لما فِي رواية أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْدُلَهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدُ» (10) . فكان الفرق آخر الأمرين حين أسلم غالب الوثنيين وغلبت الشقوة على اليهود، ولم ينفع فيهم الاستئلاف فخالفهم، وأمر بمخالفتهم فِي أمور كثيرة. قال الزَّرْقانِيُّ: (قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْفَرْقِ وَالسَّدْلِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ الشَّرْعُ بِهِ، لَكِنْ لَا وُجُوبًا(11) ؛ لِأَنَّ مِنَ الصَّحْبِ مَنْ سَدَلَ بَعْدَهُ، فَلَوْ كَانَ الْفَرْقُ وَاجِبًا مَا سَدَلُوا، وَزَعْمُ نَسْخِهِ يَحْتَاجُ لِبَيَانِ نَاسِخِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ نُسِخَ مَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:"تَوَهُّمُ النَّسْخِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ أَصْلًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ حُبَّهُ مُوَافَقَتَهُمْ، وَمُخَالَفَتَهُمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً، وَحَدِيثُ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ: إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَهَا، وَإِلَّا تَرَكَهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ مَعَ أَوْصَافِهِ الدَّائِمَةِ، وَجِبِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ مَوْصُوفًا بِهَا، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْفَرْقَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ") انْتَهَى (12) .

والمطابقة: فِي كَوْنِ هذه الأَحَادِيثِ مُبَيِّنَةً لِصِفَاتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(1) "فتح الباري"لابن حجر: ج 6 ص 578.

(2) أي دقيق شعر الحاجبين.

(3) أي ابتسم عن أسنان تشبه البرَد المتساقط عن السحاب.

(4) وهي رد الكلام إلى التاء والميم.

(5) وهي ترديد الفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت