فهرس الكتاب

الصفحة 1931 من 2668

عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ:"لَمْ يَخْتَضِبِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". قِيلَ: قَدِ أَجَابَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا وَقَالَ: قَدْ شَهِدَ بِهِ غَيْرُ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَضَبَ، وَلَيْسَ مَنْ شَهِدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ، فَأَحْمَدُ أَثْبَتَ خِضَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، ومالك أَنْكَرَهُ"اهـ (5) ."

ثَانِيًَا: أَنَّ الأَمْرَ بِخِضَابِ الشَّعْرِ فِي حديث الباب عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَلْوَان لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بِمَخَالَفَةِ اليَهَودِ والنَّصَارَى بِتَغْيِيرِ الشَّيْبِ وخِضَابِ الشَّعْرِ مُطْلَقًَا دُونَ تَقْيِيدٍ بِلَوْنٍ مَخْصُوصٍ أو اسْتِثْنَاءَ لَوْنٍ مُعَيَّنٍ، لكن جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ:"غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ (6) "أَخْرَجَهُ مُسْلِم؛ ولهذا ذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَحْرِيمِ الخِضَابِ بِالسَّوَادِ، واخْتَارَهُ النَّوَوِيّ. وَذَهَبَ أحْمَدُ والشَّافِعِيُّ فِي المَشْهُورِ عنهما إلى أنَّهُ يُكْرَهُ الصَّبْغِ بِالسَّوَادِ، وأَجَازَهُ مَالِكٌ وغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، إلاّ أنَّهُ يَرَى أَنَّ الخِضَابَ بِالسَّوَادِ خِلافِ الأَوْلَى. بِمَعْنَى أَنَّ الصَّبْغَ بِالسَّوَادِ خِلافِ الأَوْلَى فَقَطْ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. وقد أَجَازَ الخِضَابَ بِالسَّوَادِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ. قال ابن القيم فِي"زاد المعاد":"صَحَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمَا فِي كِتَابِ «تَهْذِيبِ الْآثَارِ» ، وَذَكَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعمرو ابن الْعَاصِ، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى ابن طَلْحَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب. وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، ويزيد، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وأبِي يُوسُفَ، وأبِي إسحاق، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، وغيلان بن جامع، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام"اهـ (7) .

ثالثًا: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:"فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُخَالَفَتِهِم، وذلك يَقْتَضِي أَنْ يكونَ جِنْسُ مُخَالَفَتِهِم أَمْرًا مَقْصُودًا للشَّارِعِ، لأنَّهُ إذا كَانَ الأَمْرُ"فِي الحَدِيثِ"بِجِنْسِ المَخَالَفَةِ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كَانَ الأَمْرُ بالمَخَالَفَةِ فِي تَغْيِيرِ الشَّعْرِ فَقَطْ، فهو لأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ المَخَالَفَةِ"اهـ (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت