أَوَّلًا: أَنَّ فِي هذه القِصَّةِ العجيبة مَا يَدُلُّ على أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيلُ اللهِ حَقًَّا، وأَنَّ مَحَبَّتِهِ للهِ قد تغلبت على كل مشاعره فأطاعه فِي كُلِّ شَيْءٍ حتَّى فِي مفارقة ولده الْوَحْيّد لأنَّهُ يُحِبُّهُ فوق كُلِّ شَيْءٍ، ويُؤْثِرُهُ على كُلِّ مَوْجُوُدٍ، فأيُّ مَقَامٍ فِي الخُلَّةِ أعْظَمَ من هذا المقام الذي جعله يفادي بولده فِي سبيل مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وهو مَا عَنَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) .
ثَانِيًَا: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دعا لِمَكَّةَ أنْ يَسُوُقَ اللهُ تَعَالَى إليها وفود الحُجَّاجِ والمُعْتَمِرِيِنَ وأَنْ تأتيها الأَرْزَاقُ من كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ، حيث قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فاسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَهُ، وشَرَعَ للنَّاسِ حَجَّ بَيْتِهِ فِي الأدْيَانِ الحَنِيفِيَّةِ كُلِّهَا.
ثَالِثًَا: أَصْلُ مشروعية السَّعْيِّ بين الصَّفَا والمَرْوَةَ وأنَّ هَاجَرَ كانت أوّل من سَعَى بينهما.
رَابِعًَا: ظُهُورُ بئر زَمْزَم وسبب ظهورها حيث أظهرها اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً بِهَاجَرَ وولدها إِسْمَاعِيل حيث حفر جِبْرِيلُ الأرض بمؤخر قدميه فظهر الماء.
خَامِسًَا: بِدايَةُ عُمْرَان مَكَّةَ، ومتى سكنتها جُرْهُم، ونشأة إِسْمَاعِيلَ فِي هذه القبيلة وتعلمه العربية منهم.
سَادِسًَا: أنَّ العَرَبَ ليسوا جَمِيعًَا من نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ لأَنَّ قبيلة جُرْهُم العربية كانت قبل إِسْمَاعِيلَ كما يَدُلُّ عليه حديث الباب، ولهذا قال الحافظ:"وهذا لا يوافق من قال: إنَّ العَرَبَ كلها مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".
سَابِعًَا: أنَّ المَرْأةَ الكَثِيرَةَ الشَّكْوَى والتَّبَرُّمِ من عَيْشِهَا، والجَاحِدَةَ لِنِعْمَةِ اللهِ عليها، هِيَ فِي الحقيقة امْرَأةَ سَوْءٍ، ولذلك أَمَرَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ بطلاق زوجته الأولى.
ثَامِنًَا: خُصُوصِيَّةُ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ فِي الجَمْعِ بين اللَّحْمِ والمَاءِ وَحْدَهُما.
والمطابقة: فِي كَوْنِ مَا فَعَلَهُ إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ أعلى مقامات الخلة.
(1) قَفَّى: بتشديد الفاء يعني ولى راجعًا إِلى الشام كما أفاده العيني.
(2) أي وكان ذلك سبب مشروعية السَّعْي بين الصَّفَا والمَرْوَة.
(3) بفتح الصاد وسكون الهاء أو بكسرها منونةً أي اسكتي كما أفاده العيني.
(4) أيْ اجْتَهَدَتْ فِي الاستماع.
(5) وهو الذي يحوم حول الماء.