سألها عن معيشتهم وأحوالهم"فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ"أيْ نَحْنُ فِي نِعْمَةٍ من الله وسَعَةٍ فِي الرِّزْق"وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ"أي حَمَدَتْ رَبَّها وَشَكَرَتْهُ، لأنَّها كانت رَاضِيَةً بِمَا قُسِمَ لَهَا شَأْنُ المَرْأةِ الصَّالِحَةِ."فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ"أي فسألها عن طعامهم وشرابهم الذي يعيشون عليه، فَذَكَرَتْ أَنّ طَعَامَهُم اللَّحْمُ، وشَرَابَهُم المَاءَ."قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ"فَدَعَا لَهُم بالبركة فيهما، فكانوا يقتصرون عليهما دُونَ أَنْ يَتَضَرَّرُوا منهما،"قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ» أي وأَصَبْحَ ذلك خَاصًَّا بمَكَّةَ دون غيرها من البلاد، فإنَّهُ لا يَقْتَصِرُ أهْلُ بَلَدٍ عليهما إلاّ تَضَرَّرَ منهما كما"قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ"ومعناه كما فِي حديث أبِي جهم"ليس أحد يخلو (9) على اللحم والماء بغير مَكَّةَ إلاّ اشتكى بطنه". قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ"أي فأخبرته عن الشَّيْخِ الذي جاءها فِي غيابه، وبِأَوْصَافِهِ وما دار بينه وبينها"قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ"أي أنْ أُبْقِيكِ في عِصْمَتِي.
"ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ"أي ينحت سَهْمًَا ويصلحه"تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ"،"فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ"أي فَعَانَقَهُ مُعَانَقَةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ."ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ"أي أَمَرَنِي أنْ أقوم بِعَمَلٍ فِي هذا المكان،"قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ"؛ ثُمَّ طلب من ولده إِسْمَاعِيلَ أَنْ يعينه عليه و"قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ"أي إلى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ قَلِيلًا عن سطح الأَرْضِ ليبين له المكان الذي أُمِرَ بِبِنَاءِ الكَعْبَةِ فيه، وهو فوق تلك الأَكَمَةِ"قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ"أي شرعا في البناء حتَّى رفعا الأسس التي يقوم عليها البيت"فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ"أي علا وَأَصْبَحَ لا تَطُوُلَهُ يَدُهُ"جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ"الموجود حَالِيًَّا فِي المقام"فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} "فيدعوان اللهَ بِقُبُولِ بِنَائِهِما هذا، والرِّضَا عنهما فيه، لأنَّهُ السَّمِيعُ لِدُعائِهِمَا، العَلِيمُ ببنائهما.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: