تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ"، أي اختنق، حتَّى صَارَ كأنَّهُ مَصْرُوعٌ"فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ"وزالت عنه الحالة التي كان عليها، ولكنه لَمْ يعتبر بِمَا حَدَثَ له، بل طَمِعَ فيها مَرَّةً أُخْرَى كما قال:"ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ"أي فَأُصِيبَ بِمِثْلِ مَا أُصِيبَ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى أَوْ أَشَدَّ؛"فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ"ورجع إلى حالته العادية، فكف نفسه عنها، ويئس منها"فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ!"وفِي رِوَايَةٍ:"فَقَالَ: فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ"."
"فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ"أيْ فَوَهَبَ لَهَا هَاجَرَ لتخدمها، وهو اسم سِرْيانِيِّ"فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا"بفتح الميم وسكون الهاء أي ما حالك وما شأنك؟"قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ"وهو مَثَلٌ تَقُولُهُ العَرَبُ لمن أَرَادَ أَمْرًا باطلًا فلم يصل إليه: أي خيَّب أمله وحال بينه وبين مَقْصُودِهِ"وَأَخْدَمَ هَاجَرَ"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ"أي فتلك المرأة التي هي"هَاجَرُ"هي أُمُّكُم أيها العرب، لأنَّهَا أُمّ إسْمَاعِيلَ، وهو جَدُّ العَدْنَانِيِّينَ من العَرَبِ ويقال: إنَّ أبَاهَا كان من مُلُوكِ القِبْطِ، وإِنَّمَا نُسِبَ العَرَبُ إلى مَاءِ السَّمَاءِ نَسْبَةً إلى الفَلَوَاتِ التي بِهَا مَوَاقِعَ القِطْرِ، وقيل أَرَادَ بِمَاءِ السَّمَاءِ زَمْزَمَ" (2) . قال ابن حِبَّان:"قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ هَاجَرَ يُقَالُ لَهُ: وَلَدُ مَاءِ السَّمَاءِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ مِنْ هَاجَرَ، وَقَدْ رُبِّيَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَهُوَ مَاءُ السَّمَاءِ الَّذِي أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ إِسْمَاعِيلَ حَيْثُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ هَاجَرُ، فَأَوْلَادُهَا أَوْلادُ مَاءٍ من السَّمَاءِ"اهـ (3) ."صَحِيحُ ابن حبان مُحَقَّقًا":"ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْكَذِبَ يُسَوِّدُ وَجْهَ صَاحِبِهِ فِي الدَّارَيْنِ"ج 13 ص 47."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: فَضْلُ إبْرَاهِيمَ عليه الصَّلاةِ والسَّلامِ، وذكر بعض أخباره، وأنَّ تصرفاته وأعماله وأقواله كانت للهِ وفِي اللهِ كما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
ثانيًا: أَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يكذب فِي حياته سِوَى هذه الثَّلاثِ، وهي لَيْسَت كذبًا فِي الحقيقة، وإِنَّمَا هي"تورية"، ومعناها أَنْ يأتِي المتكلم بكلمة لها معنى قريب يتبادر إلى ذهن السَّامِع، ومعنى بعيد لا يخطر بباله، فيقصد المعنى البعيد لِيُخْفِي عن المُخَاطَبِ أَمْرًا تقضي الحَاجَةُ أو الضَّرُورَةُ إلى إخْفَائِهِ، وهو مَا أَرَادَهُ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كما وضحناه أثناء شرحنا للحديث. وليسَ هناكَ كَذِبٌ حَقِيقِيٌّ، فالأَنْبِيَاءُ لا يَكْذِبُون، لأنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وأطلق عليه الكذب تَجَوُّزًَا لِكَوْنِهِ على