فهرس الكتاب

الصفحة 1896 من 2668

الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

معنى الحديث: أَنَّ خَلِيلَ اللهِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ المَثَلُ الأَعْلَى فِي الصِّدْقِ، لَمْ يَكْذِبْ طول حَيَاتِهِ سِوَى ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ كُلَّهَا صَحِيحَة جائزة مشروعة، لأنَّها ليست كَذِبًَا فِي الحَقِيقَةِ، وإِنَّمَا سَمَّاهَا بذلك لمخالفتها الوَاقِعَ فِي الظَّاهِرِ، وتُوَافِقُهُ حَقِيقَةُ وهو معنى قَوْلُهُ:"لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ"قال أبو البقاء:"الجَيِّدُ أَنْ يقال بفتح الذَّال فِي الجَمْعِ لأَنَّهُ جَمْعُ كَذْبَةٍ بسكون الذَّال تَقُولُ: كَذَبَ كَذْبَةً، كما تَقُولُ رَكَعَ رَكْعَةً، قال: وَأَمَّا إطْلاقُهُ الكَذِبَ على الأُمُورِ الثَّلاثَةِ فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلًا يَعْتَقِدُهُ السَّامِعُ كَذِبًَا، لَكِنَّهُ إذا حَقَّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًَا لأنَّهُ من باب المعاريض المحتملة للأمرين"اهـ.

ثُمَّ قَالَ:"ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"أي ثِنْتَانِ من الثَّلاثِ كانتا لأَجْلِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ أنْ يَكُونَ فِيهِمَا أيُّ حَظٍّ لنَّفْسِهِ وهُمَا قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ) لأنَّهُ قَالَ ذلك ليتخلص من الخُرُوجِ مع قومه إلى معبدهم، ومشاركتهم فِي عِبَادَتِهِم الباطلة، وقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) لأنَّهُ قَالَهُ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ على ضَعْفِ آلهتهم، فهاتان الكِذْبَتَانِ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، بِخِلافِ الثَّالِثَة، فإنَّها كانت للتَّخَلُّصِ من ذلك الجبار. ثُمَّ ذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الكَذَبَاتِ الثَّلاثِ:

الأُوْلَى:"قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) "وسَمَّاهَا"كذبة"لأنّه قَوْلٌ يُخَالِفُ الوَاقِعَ فِي ظاهره، حيث إِنَّهُ لَمْ يكن مريض الجسم، ولكنَّهُ أراد أنَّهُ سَقِيمُ القَلْبِ، فهو باعتبار هذا المعنى الذي قَصَدَهُ إِبْرَاهِيمُ ليس كَذِبًَا، وإِنَّمَا هو عين الصِدْقِ.

والثَّانِيَة:"قَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) "وقد سَمَّاهُ"كَذْبَة"باعتبار الظَّاهِرِ الذي فهموه من أنَّ الصَّنَمَ الأَكْبَرَ غضب من عِبَادَتِهِم للأصنام الأخرى فَكَسَّرَهَا فِي حين أنَّهُ أراد - كما قال بعضهم:"إنَّ هذا الصَّنَمُ الكبير هو السَّبَبُ الذي دفعني إلى تحطيم الأصنام الأخرى لأنَّي لَمَّا رَأَيْتُهَا مُصْطَفَّةً حَوْلَهُ تعظيمًا وتقديسًا له حطمتها كلها إمْعَانًَا فِي إِذْلالِهِ، واسْتِدْلَالًا على ضعفه ومهانته، وعجزه عن الدِّفَاعِ عنها، ولو كان رَبًَّا قادرًا عزيزًا لَدَافَعَ عنها وحَمَاهَا".

"وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ"أيْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بيان الكَذْبَةِ الثَّالِثَة لَمَّا قَدِمَ إِبْرَاهِيمُ أَرْضَ مِصْرَ التي كان يحكمها جَبَّارٌ من الجَبَابِرَةِ، وَبِصُحْبَتِهِ زَوْجَتُهُ سَارَة"فَقِيلَ لَهُ"أي للجبار"إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ"صُورَةً"فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي"وسماه كذبةً باعتبار الظَّاهِرِ حيث فهم منه الجَبَّارُ أنّهَا أخته نَسَبًَا فِي حين أنَّهُ أَرَادَ أنَّها أخته فِي الدِّينِ، فجوابه صِدْقٌ مطابق للواقع بِهَذَا المعنى،"فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ"أي على جَبَّارِ مِصْرَ"ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ"وفِي رواية مُسْلِم:"فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً"وفِي رواية:"فَقَامَتْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت