مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَاءَ سَابِقًا ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ بِلَفْظِ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَقَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ ثمَّ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ فَصَرَّحَ بِتَرْتِيبِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ"اهـ (4) . وقال ابن تيميّة:"لَمْ يَذْكُرْ خَلْقَ الْعَرْشِ مَعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ:"وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَلْقِ الْعَرْشِ. وَأَمَّا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فَلَمْ يُخْبِرْ بِخَلْقِهِ؛ بَلْ أَخْبَرَ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَوَّلِ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ لَا بِأَوَّلِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا"اهـ (5) ."فأخذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث عَنْ بِدْءِ الخَلْقِ وَالعَرْشِ"أي يحدث عَنْ بِدْءِ الخَليِقَةِ، ومنها العَرْشُ، فهو من ضِمْنِ المَخْلُوقَاتِ."
قال القَسْطَلانِيّ:"وأشار بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ"إلى أنَّ المَاءَ والعَرْشَ - كانا مبدأ الْعَالَمِ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا قبل كُلِّ شَيْءٍ" (6) "وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ"أي كتب فِي اللوح المحفوظ جَمِيعِ ما هو كائن إلى يوم القيامة."وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"قال ابن تيميّة:"وَسَوَاءٌ كَانَ قَوْلُهُ:"وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"أَوْ"ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَخْبَرَ بِخَلْقِ ذَلِكَ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ خُلِقَ مِنْ مَادَّةٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ} ".
فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"ثُمَّ خَلَقَ"فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ وَمِنْ كِتَابَتِهِ فِي الذِّكْرِ وَهَذَا اللَّفْظُ أَوْلَى بِلَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْبَيَانِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِلَفْظَةِ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ"الْوَاوَ"فَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ إنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سَائِرُ النُّصُوصِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ"اهـ (7) ."
والخلاصة: أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كان قبل كُلِّ شَيْءٍ ولم يكن أي شَيْءٍ غَيْرَهُ مَوْجُودًَا، ثُمَّ خَلَقَ المَاءَ أولًا والعَرْشَ ثانيًا، أو خلق العرش في الجهة العليا والماء في السُّفْلَى، ثُمَّ خَلَقَ القلم واللوح المحفوظ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، هذا هو التَّرْتِيبُ الزَّمَنِي لخلق هذه الكائنات العلوية والسُّفْلِيَّة.
"فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الحُصَيْنِ"، أي هربت."فَانْطَلَقْتُ"أي فذهبت خلفها،"فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ"، أي فإذا هي قَدْ ابتعدت كثيرًا حتَّى حَالَ دُونَهَا السَّرَابُ"فَوَاللَّهِ"