لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا"أي تَمَنَّيْتُ أَنِّي تَرَكْتُهَا تَذْهَبُ وبَقِيْتُ فِي مَجْلِسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّ اللهَ هُوَ الأَوَّلُ بلا ابْتِدَاءٍ كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم والنَّسَائِيّ؛ وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث الباب:"كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ"والإِيمان بِهَذَهِ الصِّفَةِ أمر تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ ويَدُلُّ عليه المَنْطِقُ الصَّحِيحُ، لأَنَّ خَالِقَ الكائنات لا بد أنْ يكون مَوْجُودًَا قبلها، وإلّا لَمَا خلقها. فهو سُبْحَانَهُ أَزَلَيٌّ أَبَدَيٌّ لم يسبقه عدم، ولا يلحقه فَنَاءٌ، لأنَّهُ واجب الوجود.
ثَانِيًَا: بيان حدوث العَالَمِ وبدء الخليقة، وأَنَّ لهذا الوُجُودِ خَالِقًَا هو اللهُ تَعَالَى، لا كما يقول الطَّبِيعِيُّون إِنَّ هذا العَالَمِ وُجِدَ بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، مِمَّا يَرْفُضُهُ العَقْلُ والتَّفْكِيرُ السَّلِيمُ، لأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لا بد له من مُحْدِثٍ، وَكُلَّ مَصْنُوعٍ لا بد له من صَانِعٍ، وهذا يَقْتَضِي أَنَّ الكائنات كلها مخلوقةٌ، واللهُ هو خالقها ومبدعها، وأوّل هذه المخلوقات الماء فِي الجِهَةِ السُّفْلَى، والعَرْشُ فِي الجِهَةِ العُلْيَا.
ثَالِثًَا: أَنَّ القَلَمَ أوّل المخلوقات المعنوية لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ".
رَابِعًَا: أَنَّ وجود اللَّوْحِ المَحْفُوظِ من الحَقَائِقِ الإِيمَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ التي يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا.
خَامِسًَا: أَنَّ الكلام فِي حدوث العَالَمِ وعَجَائِبِ المخلوقات مِنْ صَمِيمِ الدِّينِ لِمَا فيه من الدّلَالَةِ على وُجُودِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ فِي رُبُوبِيَتِهِ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على بَدْءِ الخَلْقِ.
(1) قَوْلُهُ: وَهَيِّنٌ وَهَيْنٌ: مِثْلُ لَيِّنٌ وَلَيْنٌ، وَمَيِّتٌ وَمَيْتٌ، وَضَيِّقٌ وَضَيْقٌ؛ الْأَوَّلُ بِالتَّشْدِيدِ وَالثَّانِي بِالتَّخْفِيفِ فِي الْجَمِيعِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ؛ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"فَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا": هِيَ مُخَفَّفَةٌ بِمَنْزِلَةِ هَيْنٍ وَلَيْنٍ وَضَيْقٍ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا وَالتَّشْدِيدِ. وَعَن بن الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّ الْعَرَبَ تَمْدَحُ بِالْهَيْنِ اللَّيْنِ مُخَفَّفًا؛ وَتَذُمُّ بِهِمَا مُثَقَّلًا. فَالْهَيْنُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَمِنْهُ:"يَمْشُونَ هَوْنًا"وَعَيْنُهُ وَاوٌ؛ بِخِلَافِ الْهَيِّنِ بِالتَّشْدِيدِ.
(2) عَقَلْتُ: من العَقْلِ وهو أَنْ تَثْنِي وَظِيفَهُ مع ذِرَاعُهُ فتَشَدُّهُمَا جَمِيعًا فِي وَسْطِ الذِّرَاعِ بِحَبْلٍ. والوَظِيفُ من الحيوان مَا فَوْقَ الرُّسْغِ إلى السَّاقِ.