فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 2668

معنى الحديث: أنَّ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يقول:"دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقَلْتُ (2) نَاقَتِي بِالْبَابِ"أي ربطتها بالباب، ثم دخلت على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قالوا:"والواو لمطلق الجمع، لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا"؛"فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ» "بما أَتَحَدَّث به إليكم"قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، مَرَّتَيْنِ"أي فقال الأَقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ: قد بشرتنا أنْ تعطينا فأعطنا، قال ذلك مرتين، لأَنَّ جُلَّ اهتمامهم كان بالدُّنْيَا، فلم يفهموا من البُشْرَى إلّا العطاء المادي فقط، بينما كان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقصد بالبُشْرَى أنْ يخبرهم عن وجود الله تعالى قبل كُلِّ مَوْجُودٍ، وخَلْقَهُ لكُلِّ مَوْجُودٍ، وَسَمَّاهُ بُشرى لأنَّه يتعلق بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ الذي هو أَصْلٌ من أصول العقيدة الإِسلامية التي يترتب عليها الفوز بالجَنَّةِ والنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ. قال:"ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ"وهم الأَشْعَرِيُّون"فَقَالَ: اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ"، أي اقبلوا مني هذا الخبر"قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ"أي قبلنا منك ذلك، فهاتِ ما عندك"فإِنَّمَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ؟"

وفي رواية أخرى في البُخَارِيّ"قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ"فما هو أول هذا الأمر الذي سألوا عنه؟ قال ابن تيميّة:"الْمَقْصُودُ هُنَا: بَيَانُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْيَمَنِ:" {جِئْنَاك لِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ} "إمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هَذَا الْعَالَمُ أَوْ جِنْسُ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَابَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَوَّلِ خَلْقِهِ هَذَا الْعَالَمِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَجَابَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْخَلْقِ مُطْلَقًا؛ بَلْ قَالَ:"كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لَمْ يَذْكُرْ خَلْقَ الْعَرْشِ مَعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ:"وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ"اهـ (3) .

فَإمَّا أنْ يكون الأمر المُشَارُ إليه هذا العالم، أو جِنْسِ المخلوقات، وسواء كان السُّؤال عن الأوّل أو الثَّانِي، فإنَّ الذي يظهر لنا من مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أجابهم عن بِدْءِ الخليقة عامةً، لما جاء في رواية أخرى عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نفسه قال فيها:"فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ وَالعَرْشِ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ، فهذا نَصٌّ صَرِيحٌ على أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أَجَابَهم عن بدء الخليقة.

"قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ"قال الحافظ:"وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ ذَلِك غَيْرَ اللهِ تَعَالَى؛ وَيكون قَوْله:"وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت