أوَّلًا: أنَّ الإِسْلامَ قد يكون على الحقيقة وذلك إذا كان باللسان والقلب معًا، والظَّاهِرُ والبَاطِنُ جَمِيعًَا فيكون إسلامًا وإيمانًا. وقد يكون الإِسلام على غير الحقيقة، وذلك إذا كان ظاهريًا باللسان فقط، مع إنكار القلب. فلا يكون إيمانًا، وإنْ كان يُسَمَّى إسلامًا، باعتبار الظَّاهر وهو ما ترجم له البُخَارِيّ بقوله"بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَةِ".
ثانيًا: أَنَّ من أَدَبِ الإِسْلامِ أَنْ لا نَقْطَعُ لأَحَدٍ بِالإِيِمَانِ، أو نُقْسِمُ على ذلك اعتمادًا على ما يظهر لنا من إسلامه وانقياده الظَّاهِرِيِّ لأَنَّ الإِيمان أَمْرٌ قلبيٌّ غيبيٌّ (3) ، وإِنَّمَا إذا أردنا أنْ نُثْنِي على أَحَدٍ بالدِّين، فإنَّنا نَصِفُهُ بما يظهر لنا من حاله وهو الإِسلام، لأنَّ هذا هو الذي نعلمه عنه، فنحكم له بأنَّه رجلٌ مسلمٌ، ولا نقطع بإيمانه. لأنَّه قد يكون مسلمًا في الظَّاهر كافرًا في البَّاطن.
ثالثًا: قَالَ القَاضِي عِيَاض:"هَذَا الحَدِيث أَصَحُ دَلِيلٍ على الْفَرْقِ بَيْن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، وأنَّ الْإِيمَان بَاطِنٌ وَمن عمل الْقلب، وَالْإِسْلَام ظَاهرٌ وَمن عمل الْجَوَارِح، لَكِن لَا يكون مُؤمن إلاَّ مُسلمًا، وَقد يكون مُسلم غير مُؤْمنٍ، وَلَفظ هَذَا الحَدِيث يدل عَلَيْهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث ظَاهره يُوجب الْفَرْقَ بَين الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، فَيُقَالُ لَهُ: مُسلم، أَي: مستسلم، وَلَا يُقَال لَهُ: مُؤمن، وَهُوَ معنى الحَدِيث. قَالَ الله تَعَالَى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} أَي: اسْتَسْلَمْنَا. وَقد يتفقان فِي اسْتِوَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيُقَالُ للْمُسْلِمِ: مُؤمِنٌ، وللمُؤْمِنِ: مُسْلِمٌ"اهـ (4) .
رابعًا: مشروعية الشَّفَاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم كما شفع سعد لهذا الرَّجُل.
والمطابقة: فِي قَوْلِه صلى الله عليه وسلم:"أَوْ مُسْلِمًا"حيث نَهَاهُ عن القطع بإيمانه، لأنَّه قد يكون إسْلامه على غير الحقيقة"."
(1) قال الترمذي:"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ". وقال الشيخ الألباني: صحيح؛ وقال الحاكم في مستدركه:"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".
(2) قال في"صحيح ابن حبان":"وسنده صحيح، وَصَحَّحَهُ ابن حبان"2215"، والحاكم 3/ 499، ووافقه الذَّهَبِيّ. عن قيس بن أبي حازم، قال: سَمِعْتُ سَعْدأ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَهُ إِذَا دَعَاكَ"يَعْنِي: سَعْدًا. قال فِي"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان":"أخرجه التِّرْمِذِيّ في المناقب (3752) باب: مناقب سعد بن أبي وقاص، من طريق رجاء بن محمد العذري، وأخرجه الحاكم 3/ 499 من طريق محمد بن عبد الوهاب العبدي، كلاهما حدثنا جعفر بن عون، بهذا الإِسناد."وقال التِّرْمِذِيّ:"وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل، عن قيس: أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ) ، وهذا أصح". يعني أنَّ المُرْسَلَ أَصَحُّ من الموصول. نقول: إنَّ الرَّفْع زيادة، وزيادة الثِّقة مقبولة كما قدمنا أكثر من مرة"اهـ.