عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (270) حديثًا اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البُخَارِيّ بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. مات رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بقصره في العقيق سنة سبع وخمسين؛ وهو
يومئذ والي المدينة؛ ودفن بالبقيع.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وأبو داود.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَهْطًا"أي جماعة من المؤلفة قلوبهم - والرَّهْطُ من ثلاثة إلى عشرة -"وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ"أي أفضلهم عندي إيمانًا وصلاحًا"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟"أَيْ أَيُّ شَيْءٍ منعك عن إعطائه"فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا"أي فإنِّي أعتقد إيمانه، وأقطع به، وأُقْسِمُ عليه."فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» "بسكون الواو، أي لا تُسْرِع بالحكم عليه بالإِيمان، ولا تقطع له أو لغيره به، لأنَّ الإِيمانَ أمرٌ غَيْبِيٌّ قَلْبِيٌّ، ولا يلزم من إسلامه في الظَّاهر إيمانه في الباطن فقد يكون مسلمًا على غير الحقيقة، ناطقًا بالشَّهَادَتَيْن، منقادًا لشعائر الإِسلام خوفًا من سُلْطَةِ المسلمين، وهو في الباطن كافر منكر لعقائد الإِسلام، فلا يكون مؤمنًا، ولكنَّا نسميه مسلمًا، ونحكم بإسلامه باعتبار ظاهره، وقد أُمِرْنا أنْ نحكم بالظَّاهِرِ. فحسبك يا سعد أنْ تَصِفُه بالإِسْلام، لتكون صَادِقًا بارًَّا بِقَسَمِكْ في جَمِيعِ الأحوال، فإنْ كان مؤمنًا حَقًَّا صَدَقَ عليه اسم الإِسلام، لأنَّ كل مؤمنٍ مسلم، وإنْ كان غير مؤمن حقًا صَدَقَ عليه اسم الإسلام، باعتبار أَنَّ الحكم على ظاهره، والله يتولى السَّرَائِرَ. أمَّا إذا وصفته بالإِيمان، وكان إسلامه على غير الحقيقة، أي بلسانه فقط فقد كَذَبْتَ في وصفك، وحَنَثْتَ فِي يمينك.
"فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ"من الإِيمانِ والصَّلاحِ"فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا". فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدتُّ لمقالتي، وعاد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومعناه أنَّ سعدًا أعاد سؤاله ثَلاثَ مَرَّاتٍ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجيبه فشي كل مرة بقوله:"أَوْ مُسْلِمًا"أي لو قُلْتَ إنِّي لأراه مسلمًا لكان أفضل."ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ"أي ثُمَّ خاف النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يكون سعد قد أساء الظَنَّ بهذا الرَّجُلِ، وَشَكَّ في إيمانه بسبب أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُعْطِهِ، فقال له: لا تَظُنُّ أنَّنِي لَمْ أُعْطِهِ لِضَعْفِ إيمانه، لأنَّنِي قَدْ أَدَعُ الرَّجُلَ القوي الإِيمان، فلا أعطيه شَيْئًَا ثِقَةً بإيمانه ويقينه، وأعطيَ الرَّجْلَ الضَّعيفِ الإِيمان تأليفًا له، لئلا يرتد فيقع فِي النَّارِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: