بعض الشَّيْءِ، أمَّا الواجبات، أو المُحَرَّمَات فلا نقاش فيها"مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"هذا هو أساس التَّشْرِيعِ الإِسْلامي في كل عَصْرٍ ومِصْرٍ.
سَادِسًَا: لُبابُ هذا الحديث وجوهره والعنصر الأساسي فيه هو بيان فضل السَّيِّدِةِ عائِشَةَ وتبرئتها القَاطِّعَةِ من التُّهْمَةِ الباطلة التي نُسِبَتْ إليها بِوَحَيٍّ صَرِيحٍ مُنَزَّلٍ على رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرآن يتلى على مر العصور والأزمان يقطع أَلْسِنَةِ المُرْجِفِينَ، ويقضي على إشاعات المُغْرِضِينَ والمُلْحِدِينَ، وأدلة براءتها من حديث الباب والآيات المُنَزَّلَةِ فِي شَأْنِهَا كثيرة، وأَهَمَّها ثَلاثَة:
الأَوَّل: التَّبْرِئَةُ الصَّريِحَةُ الحَاسِمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) قال البغوي:"أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ، يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ" (10) .
الثَّانِي: شَهَادَةُ القُرْآنِ لِعَائِشَةَ بأنَّهَا الطَّاهِرَةُ المُطَهَّرَةُ حَيْثُ قال فيها: وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ. وَهَذَا -أَيْضًا - يَرْجِعُ إِلَى مَا قَالَهُ أُولَئِكَ بِاللَّازِمِ، أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَائِشَةَ زَوْجَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهِيَ طَيِّبَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ طَيِّبٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ كَانَتْ خَبِيثَةً لَمَا صَلَحَتْ لَهُ، لَا شَرْعًا وَلَا قَدَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أَيْ: هُمْ بُعَداء عَمَّا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِفْكِ وَالْعُدْوَانِ"اهـ (11) ."
الثَّالِثُ: أنَّ اللهَ سَمَّى هذه التُّهْمة الباطلة إفكًا حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ(12) عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)، وأشنع الافْتِرَاءِ والبُهْتَانَ الذي لا تشعر به حتى يَفْجَأُك. وقد افتخرت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِهذه الفضائل التي ميزها الله بِها، وأنعم بِها عليها، قال البغوى:"وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْتَخِرُ بِأَشْيَاءَ أُعْطِيَتْهَا لَمْ تُعْطَهَا امْرَأَةٌ غَيْرَهَا، مِنْهَا: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ مَعَهَا فِي لحاف، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهَا ابْنَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدِيقِهِ، وَخُلِقَتْ طَيِّبَةً، وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا"اهـ (13) .
سَابِعًَا: ما ترجم له البُخَارِيّ من جواز تعديل النِّسَاءِ للنِّسَاءِ، وتزكية بَعْضِهِنَّ لبَعْضٍ، لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل بَرِيرَةَ وزَيْنَبَ عن عَائِشَةَ فَزَكَّتَاها، وتَحَدَّثَتَا عن صلاحها وكمال دينها، حيث قالت زينبُ:"وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا". وقالت بَرِيرَةُ:"إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ"، أي ما رأيت منها أمرًا قبيحًا أعيبها عليه من أجله، وفي رواية أنَّ بَرِيرَةَ لما سئلت عن عَائِشَةَ قَالَتْ:"سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ"