شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ"بعد ما فعل الذي فعل"فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) "أي لا يَحْلِفُ أَصْحَابُ المَالِ والغِنَى"أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى"أي لا يَحْلِفُوا على أنْ لا يعطوا أَقَارِبَهُم من أمْوَالِهِم، لأَنَّهم أَسَاؤُوا إليهم، قال تعالى:" (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) "يعني أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ذنوبكم مقابل عفوكم عنهم؟"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ"أي فأعاد إلى مسطح ما كان يعطيه، وكفّر عن يمينه. وَكَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: «يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ مَا رَأَيْتِ؟"أي ما الذي تعلمينه عن عائشة وما هي مرئياتك عنها فيما يتعلق بسلوكها"فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصْرِيّ"أي أَصُون سمعي من أنْ أقول سَمِعْتُ ولم أسمعْ أو بصرى عن أنْ أقول رَأَيْتُ ولم أَرْ"وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي"؛"فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ"أي فمنعها الورع من الوقوع فيما وقع فيه غيرها، وهو خُلقٌ فِي النَّفْسِ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ من الوقوع فِي المُحَرَّمَاتِ والشُّبُهَاتِ.
ويُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوَائِدَ كثيرة نعجز عن اسْتِقْصَائِهَا ونكتفي ببعضها:
أولًا: صِحَّةُ القرعة بين النِّسَاءِ فِي السَّفَرِ وغيره، وبه اسْتَدَلَّ مَالِكٌ وغَيْرُهُ فِي العمل بالقرعة فِي القسم بين الزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ وغيره والعتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وجَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ. قال فِي"الموسوعة الفقهية":" (القُرْعَةُ عِنْدَ) السَّفَرِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَمْ قَصِيرًا، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا فَلاَ تَجِبُ وَلاَ يُسْتَصْحَبُ لأَنَّهُ كَالإِقَامَةِ"اهـ (6) . وقال فِي"عمدة القاري":"وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اسْتِعْمَالهَا كالإجماع وَلَا معنى لقَوْل من يردهَا، وَالْمَشْهُور عَن أبِي حنيفَة، إِبْطَالهَا، وَحكي عَنهُ إجازتها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَغَيره: الْقيَاس تَركهَا، لَكِن عَملنَا بِهَا بالآثار. انْتهى. قلت: لَيْسَ الْمَشْهُور عَن أبِي حنيفَة إِبْطَالِ الْقُرْعَةِ، وَأَبُو حنيفَة لَمْ يَقُلْ كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: الْقيَاُس يَأْبَاهَا، لِأَنَّهُ تَعْلِيق لَا اسْتِحْقَاق بِخُرُوج الْقرعَة، وَذَلِكَ قمار، وَلَكِن تركنَا الْقيَاس للآثار وللتعامل الظَّاهِر من لدن رَسُول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا من غير نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ هَهُنَا: يفعل تطييبًا لقلوبهن، والْحَدِيث مَحْمُول عَلَيْهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تكن التَّسْوِيَة وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَضَر، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله تفضلًا، وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَعند أبِي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ إِذا أَرَادَ الرَّجُلُ سَفَرًا أَقْرَعَ بَين نِسَائِهِ، لَا يَجُوزُ أَخذ بَعضهنَّ بِغَيْر ذَلِك، وَالَّذِي فِي الْقَدُورِيّ: عَن مَذْهَب أبِي حنيفَة: لَا حقَّ لَهُنَّ فِي حَالَة السّفر يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ"اهـ (7) ، وقال فِي"المبسوط":"وَلَا وَجْهَ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُسْتَحِقِّ"