بقتله قتلناه ولا نُبَالِي ما يكون!"فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ"ولم يقصد بذلك وصفه بالنِّفَاقِ حَقِيقَةً، وإِنَّمَا قال ذلك للمبالغة فِي زجره، ثم إنَّ هذا السَّباب لا يقام له وزنٌ، لأنَّه صَدَرَ فِي حالةِ غضبٍ، والغضبُ من الشَّيْطانَ"فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ، وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا"بالقتال،"وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ، فَخَفَّضَهُمْ"أي فَهَدَّأ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غضبهم وثَائِرَتِهِم.
"وَبَكَيْتُ يَوْمِي لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ"وقد تقدم شرحه"حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي"أي حتَّى غَلَبَ على ظَنِّي أَنَّ البُكَاءَ يَشُقُّ كَبِدِي"فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ"أي جلس عندي؛"وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ"؛"فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا"أي لقد أشاع عنك بعض النَّاس أنَّكِ فعلت كَذَا وَكَذَا مع صفوان بن المعطل"فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ"أي وإنْ كُنْتِ فعلت ذَنْبًَا، واقْتَرَفْتِ خطيئةً حَقًَّا"فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ"أي فاعترفي بالذَّنْبِ واستغفري الله وتوبي إليه"فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ"لأنّ التوبة توجب المغفرة، ويتوب الله على من تاب."فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي"أي فلمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديثه هذا جَفَّ دَمْعِي لهول ما سمعت، وعند ذلك التَفَتُّ إلى أَبَوَيّ اسْتَنْجِدُ بِهِمَا فِي الدِّفَاعِ عَنِّي"وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!"لأنَّ الصَّدْمَةَ النفسية كانت قاسيةً عنيفةً غلبت عليه وعلى تفكيره، وأَعْجَزَتْ لِسَانَهُ عن الإجابة، فهو فِي مَوْقِفٍ يُحَارُ فيه أَعْظَّم الرِّجَالِ ماذا يقول، وبماذا يجيب؟ إذا نظر هنا وجد رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومقامه فَوْقَ كُلِّ مَقَامٍ، وإذا نظر هناك وجد عائشة ابنته الكريمة الشَّريفة الطَّاهرة المُطَهَّرة تتعرض لهذه التُّهْمَةِ الشَّنِيعَةِ، أمران يَحِقُّ للمرءِ أنْ يقول أمامهما: لا أدري ما أقول.
"فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!"؛"قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ"أي لا أحفظ الكثير منه، ولَكِنَّنِي أفقه معانيه، فقارنت بين حالي وحال يعقوب عَلَيْهِ السَّلَامُ،"فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ"أي واستقر حديث النَّاس في نفوسكم وأَثَّر في قلوبكم"وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ"، لأنَّكم تَظُنُّون أنِّي كذبت عليكم خشية العار؛"وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي!!"؛"وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، إِلَّا أَبَا"