كلها أبكي لا يكف لِي دمع وقضيتها كلها سَاهِرَة، لا أذوق طعم النَّومِ من شِدَّةِ ما أُقَاسِيِه من الهُّمُوم والأَحْزان، وكُنْتُ فِي حَالَةٍ نفسية سيئة جِدًَّا لِهَوْلِ تلك الصَّدْمَةِ العنيفة التي فاجأتني. (وفي رواية أخرى عن أُمِّ رُومَانَ:"أن عائشة قالت لها: سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالت: نعم، وأبو بكر؟ قالت: نعم، فَخَرَّت مغشيًا عليها، فما أفاقت إلاّ وعليها نَافِضٌ"أي مصحوبة برجفة ورعشة بدنية، وهو ما يُسَمَّى"النِّفَاضَةُ")
"فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيّ"أي عندما تأخر الْوَحْيّ"يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ"أي في طَلاقِ عائشة"فَأَمَّا أُسَامَةُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ"أي أما أسامة فتحدث عنهم بما يشعر به نفسيًا من المودة لهم"فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ"أي فقال له: احفظ أهلك"وَلاَ نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلَّا خَيْرًا"أي ولا نعلم عن سِيْرَتِهَا وسُلُوكِهَا إلاّ الخير والصَّلاح،"وأمَّا عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ"قال ذلك لما رأى ما عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغَمِّ والقَلَقِ"فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «يَا بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ؟"أي هل رَأَيْتَ فِي سلوكها وتصرفاتِهَا ما يبعث على الشَّكِّ والرَّيْبَة فيها؟"فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ"أي ما رأيت منها شَيْئًا يعيبها"أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ"أي فتاة صغيرة السِّنِّ تغفل عن بعض الأمور"تَنَامُ عَنِ العَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ"أي فتأتِي الشَّاةُ فتأكله."فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلْولَ"،"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا؟!"أي من يَنْصُرُنِي عليه"وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي"أي وقد اتَّهَمُوا أَهْلي برجل صالح، حسن السيرة والسمعة بين الناس!"فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ"أي آخذ لك الحق منه"إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ"أي فنفذنا فيه أمرك، وعاقبناه بالعقوبة التي تريدها."فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا"غير متهم في عقيدته"وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ"أي غلبت عليه الأَنَفَةُ والعَصَبِيَّةُ لقبيلته فعارض سعد بن معاذ"فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لاَ تَقْتُلُهُ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ"لأنَّه رأى أنَّه ليس من حَقِّ سعد بن معاذ أنْ يتدخل فِي أمْرٍ يتعلق بالخَزْرَجِ، وأنَّ ذلك من اختصاصه هو، أو أنَّ معنى لا تقتله أي لا تَجِدُ إلى قَتْلِهِ سَبِيلًا لمبادرتنا إلى قتله قبلك كما أفاده فِي"بَهْجَةِ النُّفُوسِ"."فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ"أي تأكد وتحقق أنَّه لو أمرنا رسولُ اللهِ