فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 2668

القيم، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حج قارنًا. وقد ساق ابن القيم ما يزيد على عشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك وكثيرٌ منها فِي"الصَّحِيْحَيْنِ". منها: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ: «إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ» ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَة، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ."

وقال ابن تيمية فِي"مجموع الفتاوى":"فَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ وَإِنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ هَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِلْحَجِّ سُفْرَةً وَلِلْعُمْرَةِ سُفْرَةً فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ إذَا سَافَرَ لِكُلِّ مِنْهُمَا سُفْرَةً وَالْقِرَانُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِطَوَافِ وَاحِدٍ وَبِسَعْيٍ وَاحِدٍ لَمْ يَقْرِنْ بِطَوَافَيْنِ وسعيين كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْ الْحَجَّ كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا عَائِشَةُ لِأَجْلِ عُمْرَتِهَا الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا"اهـ (4) . وقال فِي"تيسير العلام":"هذا هو الصَّحيح الذي يسهل رد الأدلة الصَّحِيْحَةِ إليه"اهـ. وحديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وزاد أحْمَدُ:"ثُمَّ أَنْشَبَ أَصَابِعَهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ" (5) . وحديث جَابِرٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا"أَخْرَجَهُ الترمذي (6) . قَالَ صَاحِبُ"عَوْنِ الْمَعْبُودِ":" (تَمَتَّعَ) : قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُول عَلَى التَّمَتُّع اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْقِرَانُ آخِرًا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَصَارَ قَارِنًا فِي آخِر أَمْره، وَالْقَارِن هُوَ مُتَمَتِّع مِنْ حَيْثُ اللُّغَة. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِاتِّحَادِ الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل، وَيَتَعَيَّن هَذَا التَّأْوِيل هُنَا لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ. (وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ) : فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّلْبِيَةِ فِي أَثْنَاءِ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذَا عَلَى مُوَافَقَتهَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيل. (وَتَمَتَّعَ النَّاس إِلَخْ) : وَمَعْلُوم أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرهمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ أَوَّلًا مُفْرَدًا"اهـ (7) .

المطابقة: فِي كَوْنِ هذه الأحاديث تَدُلُّ على مَشْرُوعِيَّةِ: الإِفْرَادِ، والقِرَانِ، والتَّمَتُّعِ.

(1) "عمدة القاري": (بابٌ تَقْضي الحَائِضُ المَناسِكَ كُلَّها إلاَّ الطَّوافَ بالبَيْتِ) ج 9 ص 294.

(2) "المبسوط"للسَّرْخَسِي: [فَصَلِّ الْأَفْضَل مِنْ أَنْوَاع الْحَجّ] ج 4 ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت