فهرس الكتاب

الصفحة 1227 من 2668

ويتحلل بالطَّواف والسَّعْي، وأبطل ما كان يعتقده العرب فِي الجاهلية من أنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ من أفجر الفجور كما فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

واختلفوا أيها أفضل؟ فقال أحْمَدُ فِي المشهور عنه وبعض الشَّافِعِيَّة واللخمي من المالكية:"التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر به أَصْحَابَهُ، ودعاهم عندما قدموا مَكَّة إلى فَسْخِ الحَجِّ إلى العمرة، وتَمَنَّى أنَّهُ لو يَسُقِ الهَدْيَ حَتَّى يَجْعَلُهَا عُمْرَةً ويتحلل مثلهم، وهو لا يختار فيما يأمر به إلاّ الأفضل. وهو أفضل أَيْضًَا لأنَّه آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال الإِمام أحمد. قال القاري:"قَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بِهِ من قَالَ: إِن التَّمَتُّع أفضل لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَمَنَّى إلاَّ الْأَفْضَل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَأجَاب الْقَائِلُونَ بتفضيل الْإِفْرَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَ من أجل فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة فَقَط، مُخَالفَة للجاهلية. وَقَالَ هَذَا الْكَلَام تطييبا لقلوب أَصْحَابه، لِأَن نُفُوسهم كَانَت لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: وَجُمْلَة الْحَال لَهُ أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت) يَعْنِي مَا سقت الْهَدْي ولجعلتها عمْرَة، وَلَا كَانَ مُفردا لِأَن الْهَدْي كَانَ وَاجِبا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا للقارن"اهـ (1) ."

قال فِي"المبسوط"للسَّرْخَسِي:"وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ، وَمَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ» على أن"التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ". فَالشَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ، وَأَنَا مِمَّنْ كُنْت أُفْرِدُ» ، وَهَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَرَّةً فَمَا كَانَ يَتْرُكُ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيمَا يُؤَدِّيه مَرَّةً وَاحِدَةً» ، وَلِأَنَّ الْقِرَانَ رُخْصَةٌ كَمَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إنَّمَا أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ تَعَبِكِ وَنَصَبِكِ» ، وَإِنَّمَا الْقِرَانُ رُخْصَةٌ، وَالْإِفْرَادُ عَزِيمَةٌ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَزِيمَةِ خَيْرٌ مِنْ التَّمَسُّكِ بِالرُّخْصَةِ، وَلِأَنَّ فِي الْإِفْرَادِ زِيَادَةَ الْإِحْرَامِ، وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ فَإِنَّ الْقَارِنَ يُؤَدِّي النُّسُكَيْنِ بِسَفَرٍ وَاحِدٍ، وَيُلَبِّي لَهُمَا تَلْبِيَةً وَاحِدَةً، وَيَحْلِقُ لَهُمَا حَلْقًا وَاحِدًا، وَلِأَجْلِ هَذَا النُّقْصَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ جَبْرًا، وَالْمُفْرِدُ يُؤَدِّي كُلَّ نُسُكٍ بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَأَدَاءُ النُّسُكِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ إدْخَالِ النُّقْصَانِ وَالْجَبْرِ فِيهَا"اهـ (2) .

"واختار مالك:"الإِفْرَادَ"وهو المشهور من مَذْهَب الشَّافِعِيّ وغيره من أهل العلم، ثُمَّ إنَّ الإفراد هو الذي عليه الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وهم أفْضَلُ النَّاسِ وأتْقَاهُم وأَشَدُّهُم اتِّبَاعًَا لِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِمَّا يَدُلُّ على أَفْضَلِيَّتِهِ أَيْضًَا إجْمَاعُ الأُمَّةِ على جَوَازِهِ دُوْنَ كَرَاهَةٍ مع اختلافهم في غيره، فقد كَرِهَ عُمْرُ وعُثْمانُ التَّمَتُّعَ، كَمَا كَرِهَ بَعْضُهُم القِرَانَ"؛ كَمَا فِي"أضواء البيان" (3) .

وقال الثَّوْرِيّ وأَبُو حَنِيْفَةَ:"القِرانُ أَفْضَل، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ» ؛ واختاره ابن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت