معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ (1) مَعَهُ"من المدينة إلى مَكَّة فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ."وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا"أي أحرموا مفردين بالحَجِّ"فَقَالَ لَهُمْ"عند قدومهم إلى مَكَّةَ"أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ"أي افسخوا الحَجَّ إلى العُمْرَةِ، وتحللوا من عمرتكم بالطَّواف والسَّعي،"ثُمَّ أَقِيمُوا حَلاَلًا"يَحِلُّ لكم كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الجماع!"حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ"وهو اليَوْمُ الثَّامِنُ من ذِي الحِجَّةِ"فَأَهِلُّوا"، أي أحرموا"بِالحَجِّ"، وتوجهوا إلى عرفة،"وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً (2) "أي تمتعًا بالعمرة،"فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟"أي كيف نَجْعَلُهَا تَمَتُّعًَا وقَدْ نَوَيْنَا الحَجَّ مُفْردًا؟!"فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلاَ أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ"أي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، وفَسَخْتُ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ."وَلَكِنْ لاَ يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ"أيْ لا يَحِلُّ لِي شَيْءٌ من مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ"حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ"أي حتى يصل الهَدْيُ إلى المكان الذي يُنْحَرُ فيه بِمِنًى يوم النَّحْرِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رضي الله عنهما:"أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا"حَيْثْ دَلَّ على إفرادهم بِالحَجِّ عند خروجهم من المدينة، وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ"حَيْثْ دَلَّ أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ بالتَّمَتُّعِ عند دخولهم مَكَّةَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هذه الأَحَادِيثِ مَا يَأْتِي:
مَشْرُوعِيَّةُ الأنْسَاكِ الثَّلاثَةِ فِي الحَجِّ: الإِفْرَادُ، والقِرَانُ، والتَّمَتُّعُ.
أمَّا الإِفْرَاد: فَلِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ"، وقَوْلِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا"، وحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ". قال في"المبسوط للسرخسي":" [فَصَلِّ الْأَفْضَل مِنْ أَنْوَاع الْحَجّ] (وَالْفَصْلُ الثَّانِي) فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ فَعِنْدَنَا الْأَفْضَلُ هُوَ الْقِرَانُ، ثُمَّ بَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ، وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ"اهـ.
وأمَّا القِرَانُ: فِلأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قَارِنًا، ولهذا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ". وهناك أحاديث أخرى صَرِيحَةً فِي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارِنًا، منها قَوْلُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ. وحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
وأمَّا التَّمَتُّعُ: فِلأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدموا مَكَّة أمر من لم يسق منهم الهَدْي أنْ يجعلها عمرة،