والحَجُّ وَاجِبٌ فِي العُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْحَجُّ فِى كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: «بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» "أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (3) .
ثانيًا: دَلَّ الحَدِيثُ على جَوَازِ الاسْتِنَابَةِ فِي حَجِّ الفَرِيضَةِ لعَجْزٍ مَيْئُوسٍ مِنْ زَوَالِهِ وهو قول الجمهور وابن حبيب من المالكية، سَوَاءٌ وَجَبَ الحَجِّ حال صحته أو حال عذره، خلافًا لأَبِي حَنِيْفَةَ حيث قال: لا تجزئُ النِّيَابَة عنه إلاّ إذا لزمه الحج حال عذره. وقال مالك والليث: لا يحج أحد عن أحدٍ إلاّ عن ميت لَمْ يَحُج حَجَّةَ الإِسْلامِ (4) لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وَالِاسْتِطَاعَةُ لا تكون إلا بالنَّفْس، فمن لم يستطع بنفسه لا يلزمه الحَجَّ. قال فِي"حاشية الصَّاوي":"قَالَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْحَيِّ لَا تَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ مُطْلَقًا إلَّا عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ فَتَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَشُبِّهَ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ: (كَبَدْءٍ لِلْمُسْتَطِيعِ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ لِلْمُسْتَطِيعِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرْضِ أَنْ يَبْدَأَ (بِهِ) : أَيْ بِالْحَجِّ (عَنْ غَيْرِهِ) قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَّا مُنِعَ"اهـ (5) . وقال فِي"الخلاصة الفقهية":"إِن النِّيَابَة فِي الْحَج عَن الْحَيّ لَا تجوز سَوَاءٌ كَانَ المَحْجُوجُ عَنهُ مُستطيعا أَو لا؛ وَسَوَاء كَانَ الْحَج فرضا أَو نفلا. وَلَا تصح إِلَّا عَن ميت أوصى بِالْحَجِّ مَعَ الْكَرَاهَة"اهـ (6) . وأجابوا عن حديث الباب بِجَوَابَيْنِ:
أولهما: أنَّ هذا الحديث مُعَارِضٌ للقُرْآنِ؛ والعمل بالقُرْآنِ أَرْجَحُ.
وثانيهما: أنَّ هذا الحكم خاص بالخثعمية لِمَا فِي رِوَايَةِ ابن حَزْمٍ التَّمِيمِي حيث جاء فيها:"ولَيْسَ لأَحَدٍ بَعْدَهُ" (7) رواه ابن حبيب فِي"الواضحة"بإسْنَادَيْنِ مُرْسَلَيْنِ.
وَقَدْ رَدَّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"عليهما بالقول:"قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا حَفِظْته عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فَقَالَتْ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مِثْلُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ نَفَعَهُ" (8) ؛ فَكَانَ فِيمَا حَفِظَ سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا بَيَّنَ أَنَّ أَبَاهَا إذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَنَّ جَائِزًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَأَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَرْضًا إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ غَيْرَ مُطِيقٍ لِتَأْدِيَتِهِ بِبَدَنِهِ فَالْفَرْضُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا فَرِيضَةَ عَلَى أَبِيك إذَا كَانَ إنَّمَا أَسْلَمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَقَالَ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إنَّمَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ! ثُمَّ بَيَّنَ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَدَعْ بَعْدَهُ فِي قَلْبِ مَنْ لَيْسَ بِالْفَهْمِ شَيْئًا فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «فَقَالَتْ لَهُ: أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ؛ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ» وَتَأْدِيَةُ الدَّيْنِ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا عَنْهُ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَافِعَةٌ لَهُ كَمَا يَنْفَعُهُ تَأْدِيَتُهَا عَنْهُ دَيْنًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ، وَمَنْفَعَتُهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَآثِمِ وَإِيجَابُ أَجْرِ تَأْدِيَتِهِ"