فهرس الكتاب

الصفحة 1198 من 2668

فقد أصبح عاجزًا عن الحَجِّ،"أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟"أي هل يجوز أن أنوب عنه في حج الفريضة، وهل يجزئ عنه ذلك وتسقط عنه حجة الإِسلام؟"قَالَ: «نَعَمْ» "حُجِّي عنه، فإنَّه تصح النِّيابَة عنه فِي الفريضة ما دام عاجزًا عنها.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: وجوبُ الحَجِّ وكونه ركنًا من أركان الإِسلام لقولها:"إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ"حيث سمّت الحَجَّ فريضة وأقرها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، ولأَنَّ الحَدِيثَ دَلَّ على تأكيد الأمر بالحَجِّ حتَّى إنَّ العَاجِزَ عنه لعارض بَدَنِيٍّ من شَيْخُوخَةٍ، أو غيرها لا يعذر فِي تركه، ولا يسقط عنه، كما قَالَ العَيْنِيُّ، بل يُحَجّ عنه بِدَلِيلِ أَنَّ الخَثْعَمِيَّةَ لَمَّا قالت للنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . والحَجُّ وَاجِبٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ بشروطه المُجْمَعٌ عَلَيْهِا عند الفُقَهَاء، وهي: الإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالِاسْتِطَاعَةُ. قال فِي"مواهب الجليل":" (وَصِحَّتُهُمَا بِإِسْلَامٍ) : يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْإِسْلَامُ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ غَيْرِ مُسْلِمٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الْحَجِّ: الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَأَنَّهَا أَيْضًا مِنْ شَرْطِ وُقُوعِهِ فَرْضًا، وَهَذَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُمَيِّزَ عَاقِلٌ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا: لَا عَقْلَ إلَّا لِلْبَالِغِ فَيَكْفِي اشْتِرَاطُ الْعَقْلِ عَنْ الْبُلُوغِ قَالَهُ ابْنُ بَشِير. وَقَالَ أَيْضًا: وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْعَبِيدَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُقُوقِ السَّادَاتِ وَالْحَجُّ مَشْرُوعٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَهُمْ غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ، وَقِيلَ فِي إسْقَاطِهِ عَنْهُمْ: إنَّهُمْ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي دُخُولِهِمْ فِي خِطَابِ الْأَحْرَارِ وَالصَّحِيحُ دُخُولُهُمْ؛ انْتَهَى. وَعَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ؛ فَنَقُولُ: شُرُوطُ الْوُجُوبِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ وَإِمْكَانِ السَّيْرِ؛ وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي فُرُوعِ الِاسْتِطَاعَةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ يُزِيدَانِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ الْمَحْرَمُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ شَرْطًا عِنْدَنَا. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ هُوَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ"اهـ (1) .

وتَتَحَقَّقُ الِاسْتِطَاعَةُ عند الجمهور بثلاثة أمور: أمن الطَّرِيق، والزَّاد، والرَّاحِلة، ومعنى الزَّادُ أَنّْ يَمْلِكَ المُسْلِمُ ما يكفيه ويكفي مَنْ يَعُولَهُ كِفَايَةً فَاضِلَةً عن حوائجه الأصلية من مسكن وملبس ومركب. وَأمّا الرَّاحلة فمعناها فِي عصرنا هذا أنْ يَجِدَ أُجْرَةُ الذَّهَابِ والعَوْدَةِ فِي الطَّائِرَةِ أو السَّيَّارَةِ أو البَاخِرَةِ. وقال مالك: لا يشترط فِي الحَجِّ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ، وإِنَّمَا معنى الِاسْتِطَاعَةُ عنده القُدْرَةُ على الوصول راكبًا أو ماشيًا والتَّمكن من الحصول على الزَّاد ولو بالسُّؤال. قال فِي"الفقه على المذاهب الأربعة":"الحَنابلة قالوا: الاستطاعة هِيَ القدرة على الزَّادِ والرَّاحِلَةِ الصَّالِحَةِ لمثله، ويشترط أنْ يكونا فاضلين عَمَّا يحتاجه من: كتب علم، ومسكن، وخادم، ونفقة عياله على الدَّوَامِ. ومن شروط وجوب الحج: أمن الطريق بحيث لا يوجد مانع من خوف على النَّفس، أو المال، أو العرض، أو نحو ذلك. أما المرأة فإنَّه لا يجب عليها الحج إلا إذا كان معها زوجها أو أحد من محارمها: كأخ، أو ابن، أو عم، أو أب، أو نحوهم ممن لا تحل له. ومن عجز عن الحَجِّ بنفسه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤه، أو كان لا يقدر على الرُّكُوبِ إلا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، فإنَّه يجب عليه أنْ يُنِيبَ من يَحُجُّ عَنْهَ"اهـ (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت