فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 2668

"والصِّدْق"، وفِي رواية"والصَّدَقَةِ"، وفِي رواية أبِي ذر فِي"باب الجهاد"من"فتح الباري":"بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والصَّدَقَةِ". والمراد بِالصِّدْقِ القَوْل المُطَابِق للواقع، أو للاعتقاد، وهو الأنسب هنا، لأَنَّ الإِنْسَانَ لا يكلف إلاّ بِمَا يعلمه كما فِي الأُصُولِ."وَالعَفَافِ"أي الكف عن المحارم، وكُلّ مَا يُنَافي المُرُوءَةَ."وَالصِّلَةِ"أي الإِحْسَان إلى الأقارب خَاصَّةً وإلى النَّاسِ عَامَّةً، فيدخل فيه جَمِيعُ أنْواعِ البِرِّ.

"فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا"، أي وهكذا الرُّسُلُ يَخْتَارهم اللهُ من أَشْرَفِ القَوْمِ نَسَبًَا وحَسَبًَا، لأَنَّ جَوْدَةَ الأَخْلاقِ يَرِثُها الرَّجُلُ من آبائه، وإِنَّ من القضايا المُسَلَّمِ بِها أَنَّ الفَرْعَ يُشْبِهُ أَصْلُهُ، وأَنَّ الأَصْلَ يُنْتِجُ مِثْلَهُ، فالأبْنَاءُ يَحْمِلُونَ خَصَائِصَ آبَائِهِم وِرَاثِيًَّا كما ثبت ذلك عِلْمِيًَّا، واشْتَهَرَ أيْضًَا عند العَرَبِ حَتَّى قال شَاعِرُهُم:

أعْرِفُ فِيْهِ قِلّةَ النُّعَاسِ ... وَخِفَّةً في رَأسِهِ مِنْ رأسِ

وذوو الأَحْسَابِ كما قال القاري أبْعَد عن انْتِحَالِ البَاطِلِ وأقْرَب إلى انْقِيَادِ النَّاسِ لهم.

"وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ"أي لظننت أنه اقتدى بغيره من أَدْعِياءِ النُّبُوَةِ.

"وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ"أيْ يُحَاوِلُ أنْ يَسْتَعِيدَ مُلْكَ أبيه لنفسه، ولكنه ليس من أبْنَاءِ المُلُوكِ حَتَّى يُظَنُّ به ذلك، وعن جرير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَأَرَعَدَ مِنْ هَيْبَتِهِ، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ"أخرجه الحاكم (8) .

"وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ!"، لأَنَّ الكَذِبَ على اللهِ أَشْنَعُ وأَعْظَمُ جُرْمًَا قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) .

"وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ"؛ قال الأَبِيُّ: لأَنَّ ذوي الرِّئَاسَاتِ يَأْبَوْنَ تَسْوِيد غيرهم عليهم، وتأبَى أنْفُسُهُم الاتِّبَاعَ، إلا من هَدَاهُم اللهُ.

"وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ"كما قال تعالى: (وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) فلابُدَّ أَنْ يَنْمُو عَدَدُ الْمُؤْمِنِينَ، وتَتَضَاعَفُ قُوَاهُم البَشَرِيَّة على مَرِّ الزَّمَانِ، حَتَّى تتحقق لِدِينِ اللهِ العِزَّةَ والمَنَعَةَ.

"وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ"أيْ حين تُمَازِجُ حَلاوَتَهُ قُلُوبَ مُعْتَنِقِيهِ، لأَنَّ الإِيمَانَ إذا دَخَلَ القَلْبِ السَّلِيمِ ارْتَاحَ له الضَّمِيرُ والوجْدَانُ، واطْمَأَنَّتْ إليه النَّفْسُ، فهو فِطْرَة اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها، فلا تُفَارِقُه كَرَاهِيَةً له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت