"فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ"أي أقسم بالله تعالى لأقاتلن من فرق بين حكمهما، فقال الصلاة واجبة والزكاة غير واجبة، لأن وجوب الزكاة معلومٌ من الدين بالضَّرُورَةِ. ومن أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضَّرُورَةِ فإنَّه يُقَاتَلُ."فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ"، كما أن الصلاة حق البدن، فمن أنكرها أنكر حقًا من حقوق الإِسلام يقاتل عليه كما يقاتل على الصلاة."وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا"، أي أقسم بالله لو منعوني أُنْثَى من المَعْزِ كانوا يعطونها زكاةً في عهد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلتهم على منعها!"قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ"أي فعلمت أنَّه الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ بكتاب الله وسُنَّةِ نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الحافظ فِي"الفتح":"قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَصِنْفٌ تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. َ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ. وَصَدَّقَ الْأَسْوَدَ أَهْلُ صَنْعَاءَ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُم. ْ فَقُتِلَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَلِيلٍ. وَبَقِيَ بَعْضُ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَاتَلَهُمْ عُمَّالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْجَيْشَ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلُوهُ. وَصِنْفٌ ثَالِثٌ: اسْتَمَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا بِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِزَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الَّذِينَ نَاظَرَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: انْقَسَمَتِ الْعَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: طَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَطَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نُقِيمُ الشَّرَائِعَ إِلَّا الزَّكَاةَ وَهُمْ كَثِيرٌ لَكِنَّهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى. وَالثَّالِثَةُ أَعْلَنَتْ بِالْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ كَأَصْحَابِ طُلَيْحَةَ وَسَجَاحٍ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ مَنْ يُقَاوِمُ مَنِ ارْتَدَّ. وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فَلَمْ تُطِعْ أَحَدًا مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَبَّصُوا لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِمُ الْبُعُوثَ. وَكَانَ فَيْرُوزٌ وَمَنْ مَعَهُ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْأَسْوَدِ وَقَتَلُوهُ. وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَة. ِ وَعَادَ طُلَيْحَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَذَا سَجَاحٌ وَرَجَعَ غَالِبُ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ إِلَّا وَالْجَمِيعُ قَدْ رَاجَعُوا إِلَى دِينَ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ"اهـ (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المال كما أنَّ الصَّلاةَ حَقُّ البدن، فهما عبادتان إسلاميتان واجبتان من أركان الإِسلام، فالصَّلاةُ عبادةٌ بدنيةٌ والزَّكاةُ عبادةٌ ماليةٌ وحكمهما واحد.
ثانيًا: كما أفاده فِي"كشف الشُّبُهَاتِ":"والرَّجُلُ إذا أظهر الإِسْلام وَجَبَ الكَفِّ عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} أي فتثبتوا. فالآية تدل على أنَّه يجب الكَفَّ عنه والتَّثَبُّتِ، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} ولو كان لا"