النَّارِ، فأجابه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ دخولَ الجَنَّة والنَّجَاةَ من النَّارِ يَتَوَقَّفَانِ على أداء أركان الإِسْلامِ حيث"قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"وهو معنى شهادة أن لا إله إلاّ الله، التي هي الرُّكْنُ الأَوَّلِ من أَرْكَانِ الإِسْلام، لأَنَّ معناها: لا معبود بِحَقٍّ إلاّ الله، ومقتضاها إفراد الله بالعبادة، وذلك بعبادة الله وحده، وأنْ لا تشرك به شيئًا."وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ"، أي وتقيم الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ التي كتبها الله وأوجبها على عباده فِي كل يوم وليلة."وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ"، أيْ وتُخْرِجَ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةِ التي أوجبها الله عليك، وتدفعها لمستحقها، وهو موضع التَّرْجَمَة.
"وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، أي وتحافظ على صيام شهر رمضان فِي وقته."قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا"أي لا أزيد على العمل المفروض الذي سمعته منك شيئًا من الطَّاعات، وزاد مسلم"وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ"."فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا"، أي فلينظر إلى هذا الأعْرابِيِّ فإنَّه سوف يكون من أهل الجَنَّة إنْ داوم على فعل ما أمرته به، لقوله فِي حديث أبِي أيوب"إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"أخرجه مسلم.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: بيان بعض أركان الإِسلام، وهي التَّوْحِيد والصَّلاة، والزَّكَاة، والصَّوْم، ولم يذكر الحَجَّ مع أنَّهُ الرُّكْنُ الخَامِسُ من أركان الإِسلام، لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ بعد.
ثانيًا: بيان مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكَاةِ وَوُجُوبِهَا وأنَّهَا رَكْنٌ من أركان الدِّين الحنيف، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ".
ثالثًا: قال القَسْطَلانِيّ:"فيه أنَّ المُبَشَّرَ بالجنَّة أكثر من العَشَرَةِ كما ورد النَّص في الحسن والحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأمهما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وأمهات الْمُؤْمِنِينَ، فتحمل بشارة العشرة بأنَّهم بُشِّرُوا دُفْعَةً واحدةً، أو بلفظ بشره بالجَنَّة، أو أنَّ الْعدَد لَا يَنْفِي الزَّائِد"اهـ.
رابعًا: قال القَسْطَلانِيّ:"وَلا يُقَالُ إنَّ مَفْهُومَ الحديث كغيره مِمَّا يشبهه يدل على ترك التَّطَوّعات أَصْلًا لأنَّا نقول: لعل أَصْحاب هذه القِّصص كانوا حديثي عهد بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة لئلا يثقل عليهم ذلك فيملوا! فإذا انْشَرَحَتْ صدورهم للفهم عنه والحرص على ثواب المندوبات سهلت عليهم"اهـ (1) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:"وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ".
(1) "شرح القَسْطَلانِيّ على البُخَارِيّ":"باب وجوب الزكاة"ج 3 ص 4.