فهرس الكتاب

الصفحة 951 من 2668

تُكْسَفُ إلَّا وَقْتَ الِاسْتِسْرَارِ. وَأَنَّ الْقَمَرَ لَا يُخْسَفُ إلَّا وَقْتَ الْإِبْدَارِ، وَوَقْتُ إبْدَارِهِ هِيَ اللَّيَالِي الْبِيضُ الَّتِي يُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِهَا"اهـ (1) ."فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ"، أيْ رَبَطُوا بين الحَادِثَةِ الأَرْضِيَّةِ والظَّاهِرَةِ السَّمَاوِيَّةِ التي هي كسوف الشمس، وَظَنُّوا أنَّ موت إبراهيم كان سببًا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ في ذلك اليوم، لأنّه ابْنُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان العرب يزعمون في الجاهلية أنه إذا مات عظيم في الأرض حدث حادث عظيم في السَّماءِ."فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ"، أيْ فإذا رأيتم الكُسُوفَ فَصَلُّوا صَلاةَ الكُسُوفِ والجأوا إلى ربكم بالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الكُسُوفِ (2) . وهي عند الجمهور رَكْعَتَانِ كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ لِمَا فِي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت:"خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، فَقَامَ، فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى"أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.

ثانيًا: أَنَّ الحوادثَ الأَرْضِيِّةَ مِنْ وِلادَةِ كَبِيرٍ أو مَوْتِ عظيمٍ لا تكون أَبَدًَا سببًا فِي الحوادث السَّماوية من كُسُوفٍ أو خُسُوفٍ، ولا تُؤَثِّر فِيهَا. فَمَوْتُ العُظَمَاءِ مثلًا لا يَنْشَأُ عنه كُسُوف الشمس أو خُسُوف القَمَرِ، وهو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ".

قال شيخ الإِسلام ابن تيميّة:"فِي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ"أَيْ لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ مُعَلَّلًا بِالْمَوْتِ فَهُوَ نَفْيُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ، ... وَمَوْتَ النَّاسِ وَحَيَاتَهُمْ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَا الرَّمْيَ بِالنَّجْمِ؛ وَإِنْ كَانَ مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ يَقْتَضِي حُدُوثَ أَمْرٍ فِي السَّمَوَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ". ثُمَّ قَالَ رحمه الله:"وَأَمَّا كَوْنُ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحَادِثٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَذَابٍ يَقْتَضِي مَوْتًا أَوْ غَيْرَهُ، فَهَذَا قَدْ أَثْبَتَهُ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ"اهـ (3) .

قال ابن تيميّة:"وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِذَلِكَ، يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابٍ يَنْزِلُ، كَالرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ الشَّدِيدَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَا يُنْزِلُهُ فِي الْأَرْضِ" (4) اهـ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ".

(1) "الفتاوى الكبرى"لابن تيمية: [مَسْأَلَةٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّقَاوِيمِ فِي أَنَّ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يُخْسَفُ الْقَمَرُ] ج 4 ص 426.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت