وفي حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمْرَةَ"ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ"أخرجه النَّسَائِيّ."حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ"، أيْ اسْتَمَرَّ يُصَلِّي حتى ظَهَرَتْ."فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ"أَيْ: لِمَوْتِ كَبِيرٍ أوْ حُدُوثِ أَمْرٍ عَظِيمٍ كما يَزْعُمُهُ الجَاهِلِيُّونَ؛"فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا"مَكْسُوفَيْنِ"فَصَلُّوا"أيْ: فعليكم بالصَّلاةِ والدُّعَاءِ حتى يَنْجَلِيَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الكُسُوفِ وَهِيَ سُنَّة اتِّفَاقًَا وَتُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً بلا خِلافٍ، واختلفوا فِي خُسُوفِ القَمَرِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ:"يُجْمَعُ فِي خُسُوفِ القَمَرِ، كما يُجْمَعُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ". وقال مالك:"لا جَمَاعَة فِي خُسُوفِ القَمَرِ". قال في"حلية العلماء":"وَالسُّنة أَنْ يُصَلِّي فِي خُسُوف الْقَمَر أَيْضًا فِي جَمَاعَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلُّونَ فُرَادَى فِي بُيُوُتِهِمْ. وَيُسَّنُ أَنْ يَخْطُبَ بعد صَلَاةِ الْكُسُوفِ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَالَ أبو حنيفَة وَمَالك لَا يُسَّنُ الْخُطْبَةُ بعد هَذِه الصَّلَاةِ"اهـ (2) .
ثانيًا: أنَّ صَلاتَيْ الكُسُوفِ والخُسُوفِ رَكْعَتَانِ عَادِيَّتَانِ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ وهو مذهب أبِي حَنِيفَةَ. وقال الجمهور:"رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي الْقَمَرِ جَمَاعَةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ. واختلفوا هل يجهر فيها الإِمام بالقراءة. فقال أحمد:"يجهر بالقراءة"؛ خلافًا للجمهور. قال في"عون المعبود":"قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي: يَرْكَع رَكْعَتَيْنِ فِي رَكْعَة رُكُوع وَاحِد كَسَائِرِ الصَّلَوَات. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي هَذَا الْبَاب، فَرُوِيَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي أَرْبَع رَكَعَات وَأَرْبَع سَجَدَات وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَكَعَهُمَا فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَع سَجَدَات، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سِتّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي عَشْر رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنْوَاعًا مِنْهَا، وَيُشْبِه أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَرَّاتٍ وَكَرَّاتٍ فَكَانَتْ إِذَا طَالَتْ مُدَّة الْكُسُوف مَدَّ فِي صَلَاته وَزَادَ فِي عَدَدِ الرُّكُوع، وَإِذَا قَصُرَتْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز يُصَلَّى عَلَى حَسَب الْحَال وَمِقْدَار الْحَاجَة فِيهِ"اِنْتَهَى (3) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ".
(1) قال في "جامع الأصول":"رواه أبو داود والنَّسَائِيّ، وفي إسناده انقطاع واضطراب، وأعله أيضًا ابن أبي حاتم بالانقطاع" اهـ.
(2) "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء":"بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ" ج 2 ص 269.
(3) "عون المعبود": ج 2 ص 42.